صفحة جزء
آداب طالب الحديث


713 . وأخلص النية في طلبكا وجد وابدأ بعوالي مصركا      714 . وما يهم ثم شد الرحلا
لغيره ولا تساهل حملا


أول ما يجب على الطالب إخلاص النية ، فقد روينا في سنن أبي داود ، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا ، لم يجد [ ص: 39 ] عرف الجنة يوم القيامة . وروينا عن حماد بن سلمة قال : من طلب الحديث لغير الله مكر به . قال الخطيب : إذا عزم الله تعالى لامرئ على سماع الحديث وحضرته نية في الاشتغال به ، فينبغي أن يقدم المسألة لله تعالى أن يوفقه فيه ، ويعينه عليه ، ثم يبادر إلى السماع ، ويحرص على ذلك من غير توقف ، ولا تأخير . وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : "احرص على ما ينفعك ، واستعن بالله ولا تعجز" . وليجد الطالب في طلبه ، فقد روينا عن يحيى بن أبي كثير ، قال : لا ينال العلم براحة الجسد . وروينا عن الشافعي قال : لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتملل ، وغنى النفس ، فيفلح ، ولكن من طلبه بذلة النفس ، وضيق العيش ، وخدمة العلم ، أفلح . قال الخطيب : ويعمد إلى أسند شيوخ مصره ، وأقدمهم سماعا فيديم الاختلاف إليه ، ويواصل العكوف عليه ، فيقدم السماع منه ، وإن تكافأت أسانيد جماعة من الشيوخ في العلو ، وأراد أن يقتصر على السماع من بعضهم ، فينبغي أن يتخير المشهور منهم [ ص: 40 ] بطلب الحديث ، المشار إليه بالإتقان له ، والمعرفة به . وإذا تساووا في الإسناد والمعرفة فمن كان من الأشراف وذوي الأنساب ، فهو أولى أن يسمع منه .

وروينا عن الحافظ أبي الفضل صالح بن أحمد التميمي ، قال : ينبغي لطالب الحديث ومن عني به أن يبدأ بكتب حديث بلده ، ومعرفة أهله منهم ، وتفهمه وضبطه حتى يعلم صحيحها وسقيمها ، ويعرف من أهل الحديث بها ، وأحوالهم معرفة تامة ، إذا كان في بلده علم وعلماء ، قديما وحديثا . ثم يشتغل بعد بحديث البلدان والرحلة فيه .

وروينا عن أبي عبيدة ، قال : من شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم . وقال الخطيب : المقصود بالرحلة في الحديث أمران :أحدهما : تحصيل علو الإسناد وقدم السماع . والثاني : لقاء الحفاظ ، والمذاكرة لهم ، والاستفادة عنهم . فإذا كان الأمران موجودين في بلد الطالب ، ومعدومين في غيره ، فلا فائدة في الرحلة ، فالاقتصار على ما في البلد أولى . فإذا كانا موجودين في بلد الطالب ، وفي غيره إلا أن ما في كل واحد من البلدين يختص به ، أي : من العوالي والحفاظ ; فالمستحب للطالب الرحلة لجمع الفائدتين من علو الإسنادين ، وعلم الطائفتين . لكن بعد تحصيله حديث بلده وتمهره في المعرفة به . قال : وإذا عزم الطالب على الرحلة ، فينبغي له ألا يترك في بلده من الرواة أحدا إلا ويكتب عنه ما تيسر من الأحاديث ، وإن قلت فإني سمعت بعض أصحابنا يقول : ضيع ورقة ولا تضيعن شيخا . وروينا عن أحمد [ ص: 41 ] وسأله ابنه عبد الله عمن طلب العلم ، ترى له أن يلزم رجلا عنده علم فيكتب عنه ؟ أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلم فيسمع منهم ؟ قال : يرحل ، يكتب عن الكوفيين والبصريين ، وأهل المدينة ومكة يشام الناس يسمع منهم . وروينا عن ابن معين ، قال : أربعة لا تؤنس منهم رشدا منهم رجل يكتب في بلده ، ولا يرحل في طلب الحديث . وقال إبراهيم بن أدهم : إن الله يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث . قال ابن الصلاح : ولا يحملنه الحرص والشره على التساهل في السماع والتحمل ، والإخلال بما عليه في ذلك . وقال الخطيب : ليعلم الطالب أن شهوة السماع لا تنتهي ، والنهمة من الطلب لا تنقضي ، والعلم كالبحار المتعذر كيلها ، والمعادن التي لا ينقطع نيلها .

فلا ينبغي له أن يشتغل في الغربة إلا بما يستحق لأجله الرحلة .

وقولي : (حملا) تمييز ، أي : ولا تتساهل في الحمل والسماع .

التالي السابق


الخدمات العلمية