صفحة جزء
النوع الثاني:

معرفة الحسن من الحديث.

روينا عن أبي سليمان الخطابي - رحمه الله - أنه قال بعد حكايته أن الحديث عند أهله ينقسم إلى الأقسام الثلاثة - التي قدمنا ذكرها -: "الحسن: ما عرف مخرجه واشتهر رجاله". قال: "وعليه مدار أكثر الحديث وهو الذي يقبله أكثر العلماء ويستعمله عامة الفقهاء.


[ ص: 290 ] النوع الثاني

في معرفة الحسن.

26 - قوله: (روينا عن أبي سليمان الخطابي رحمه الله تعالى أنه قال: الحسن ما عرف مخرجه واشتهر رجاله" انتهى.

ثم ذكر الشيخ بعد ذلك أنه ليس في كلام الترمذي والخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح، انتهى. وفيه أمران:

أحدهما: أن ما حكاه من صيغة كلام الخطابي قد اعترض عليه فيه الحافظ أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد فيما حكاه الحافظ أبو الفتح اليعمري [ ص: 291 ] في شرح الترمذي، فقال: إنه رآه بخط الحافظ أبي علي الجياني: "ما عرف مخرجه واستقر حاله" أي بالسين المهملة وبالقاف وبالحاء المهملة دون راء في أوله، قال ابن رشيد: "وأنا بحظ الجياني عارف" انتهى.

وما اعترض به ابن رشيد مردود؛ فإن الخطابي قد قال ذلك في خطبة كتابه (معالم السنن) وهو في النسخ الصحيحة المسموعة كما ذكره المصنف: "واشتهر رجاله" وليس لقوله: "واستقر حاله" كبير معنى. والله أعلم.

[ ص: 292 ] الأمر الثاني: أن ما ذكره من أنه ليس في كلام الخطابي ما يفصل الحسن من الصحيح ذكره ابن دقيق العيد أيضا في الاقتراح، وزاده وضوحا، فقال: "ليس في عبارة الخطابي كبير تلخيص، وأيضا فالصحيح قد عرف مخرجه واشتهر رجاله، فيدخل الصحيح في الحسن".

واعترض الشيخ تاج الدين التبريزي على كلام الشيخ تقي الدين بقوله: "فيه نظر؛ لأنه ذكر من بعد أن الصحيح أخص من الحسن. قال: ودخول الخاص في حد العام ضروري، والتقييد بما يخرجه عنه مخل للحد". وهو اعتراض متجه.

وقد أجاب بعض المتأخرين عن استشكال حدي الترمذي والخطابي بأن قول الخطابي: "ما عرف مخرجه" هو كقول الترمذي، ويروى نحوه من غير وجه. وقول الخطابي: "اشتهر رجاله" يعني بالسلامة من وصمة الكذب هو كقول الترمذي: "ولا يكون في إسناده من يتهم بالكذب" وزاد الترمذي: "ولا يكون شاذا" ولا حاجة إلى ذكره؛ لأن الشاذ ينافي عرفان المخرج، فكأنه كرره بلفظ متباين، فلا إشكال فيما قالاه. انتهى.

وما فسر به قول الخطابي: "ما عرف مخرجه" بأن يروى من غير وجه - لا يدل عليه كلام الخطابي أصلا، بل الذي رأيته في كلام بعض الفضلاء أن في قوله: "ما عرف مخرجه" احترازا عن المرسل، وعن خبر المدلس قبل أن يبين تدليسه.

وهذا أحسن في تفسير كلام الخطابي؛ لأن المرسل الذي سقط بعض إسناده وكذلك المدلس الذي سقط منه بعضه لا يعرف فيهما مخرج الحديث؛ لأنه لا يدرى من سقط من إسناده، بخلاف من أبرز جميع رجاله فقد عرف مخرج الحديث من أين. والله أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية