المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
88 (21) باب

علامات النفاق

[ 48 ] عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أربع من كن فيه ، كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خلة منهن ، كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا وعد أخلف ، وإذا خاصم فجر رواه أحمد ( 2 \ 189 و 198 ) ، والبخاري ( 34 ) ، ومسلم ( 58 ) ، وأبو داود ( 4688 ) ، والترمذي ( 2634 ) ، والنسائي ( 8 \ 116 ) .

.


[ ص: 249 ] (21) ومن باب علامات النفاق

(قوله : " أربع من كن فيه ، كان منافقا خالصا " ) قال ابن الأنباري : في تسمية المنافق منافقا ثلاثة أقوال :

أحدها : أنه سمي بذلك ; لأنه يستر كفره ; فأشبه الداخل في النفق ، وهو السرب .

وثانيها : أنه شبه باليربوع الذي له جحر يقال له : القاصعاء ، وآخر يقال له : النافقاء ، فإذا أخذ عليه من أحدهما ، خرج من الآخر ; وكذلك المنافق : يخرج من الإيمان من غير الوجه الذي يدخل فيه .

وثالثها : أنه شبه باليربوع من جهة أن اليربوع يخرق في الأرض ، حتى إذا قارب ظاهرها ، أرق التراب ، فإذا رابه ريب ، دفع التراب برأسه فخرج ، فظاهر جحره تراب ، وباطنه حفر ، وكذلك المنافق : ظاهره الإيمان ، وباطنه الكفر .

قال المؤلف - رحمه الله تعالى - : وظاهر هذا الحديث : أن من كانت هذه الخصال الثلاث فيه ، خرج من الإيمان ، وصار في النفاق الذي هو الكفر الذي قال فيه مالك : " النفاق الذي كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الزندقة عندنا اليوم " .

[ ص: 250 ] وليس الأمر على مقتضى هذا الظاهر ; لما قررناه في أول الكتاب ، وأعدناه في الباب الذي قبل هذا .

ولما استحال حمل هذا الحديث على ظاهره على مذهب أهل السنة ، اختلف العلماء فيه على أقوال :

أحدها : أن هذا النفاق هو نفاق العمل الذي سأل عنه عمر حذيفة لما قال له : هل تعلم في شيئا من النفاق ؟ أي : من صفات المنافقين الفعلية ، ووجه هذا : أن من كانت فيه هذه الخصال المذكورة ، كان ساترا لها ، ومظهرا لنقائضها ; فصدق عليه اسم منافق .

وثانيها : أنه محمول على من غلبت عليه هذه الخصال ، واتخذها عادة ، ولم يبال بها ; تهاونا واستخفافا بأمرها ; فأي من كان هكذا ، كان فاسد الاعتقاد غالبا ، فيكون منافقا خالصا .

وثالثها : أن تلك الخصال كانت علامة المنافقين في زمانه ; فإن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا متجنبين لتلك الخصال ; بحيث لا تقع منهم ، ولا تعرف فيما بينهم ; وبهذا قال ابن عباس وابن عمر ، وروي عنهما في ذلك حديث ، وهو أنهما أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألاه عن هذا الحديث ، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال : ما لكم ولهن ، إنما خصصت بهن المنافقين ، أنتم من ذلك برآء ، وذكر الحديث بطوله القاضي عياض ، قال : وإلى هذا صار كثير من التابعين والأئمة .

و (قوله : " وإذا خاصم فجر ") أي : مال عن الحق ، واحتال في رده وإبطاله .

[ ص: 251 ] قال الهروي : " أصل الفجور : الميل عن القصد ، وقد يكون الكذب " . والخلة بفتح الخاء : الخصلة ، وجمعها خلال ، وبالضم الصداقة . والزعم بضم الزاي قول غير محقق ; كما تقدم .

التالي السابق


الخدمات العلمية