المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
1327 [ 682 ] وعن أبي سعيد الخدري : أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده ، إذ جالت فرسه فقرأ ، ثم جالت أخرى فقرأ ، ثم جالت أيضا ، فقال ، أسيد : فخشيت أن تطأ يحيى ، فقمت إليها ، فإذا مثل الظلة فوق رأسي ، فيها أمثال السرج ، عرجت في الجو حتى ما أراها . قال : فغدوت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت : يا رسول الله ! بينما أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مربدي ، إذ جالت فرسي ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقرأ ، ابن حضير . قال : فقرأت . ثم جالت أيضا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقرأ ، ابن حضير ! قال : فقرأت . ثم جالت أيضا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اقرأ ، ابن حضير! قال : فانصرفت ، وكان يحيى قريبا منها ، خشيت أن تطأه ، فرأيت مثل الظلة ، فيها أمثال السرج ، عرجت في الجو حتى ما أراها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تلك الملائكة كانت تستمع لك ، ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم .

رواه البخاري (5018) من حديث أسيد ، ومسلم (796) من حديث أبي سعيد .


وقوله : فخشيت أن تطأ يحيى ، يعني : أنه خشي أن تطأ الفرس يحيى ابنه ، وقد فسره بعد ذلك . والظلة : السحابة فوق الرأس ; مأخوذة من الظل . والجو : ما بين السماء والأرض . والسرج : جمع سراج ; شبه الأنوار التي رأى في السحابة بها .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - لابن حضير : اقرأ ; عند إخباره له بما رأى ، هو أمر له بمداومة على القراءة فيما يستأنفه ; فرحا بما أطلعه الله عليه ، وكرر ذلك تأكيدا .

وقوله - صلى الله عليه وسلم - : تلك الملائكة كانت تستمع لك : استطابة لقراءته ; لحسن [ ص: 439 ] ترتيلها ، وحضور قلبه فيها ، وخشوعه وإخلاصه . والله - تعالى - أعلم ، وإطلاع الله - تعالى - له على ذلك : إظهار كرامته له ; ليزداد يقينا مع يقينه ، واجتهادا في عبادته . وهذا دليل على جواز رؤية من ليس بنبي للملائكة .

وقوله : لو قرأت لأصبحت يراها الناس : يعني : لو دمت على حالتك في قراءتك لأصبحت على تلك الحال ظاهرة للناس ، لكنه قطع القراءة ، فارتفعت الملائكة وغابت ; لتخصيص الكرامة به ، وليعمل الناس على التصديق بالغيب .

التالي السابق


الخدمات العلمية