المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
125 (29) باب

أي الذنب أعظم ؟ وذكر الكبائر

[ 68 ] عن عبد الله ، قال : قال رجل : يا رسول الله ، أي الذنب أكبر عند الله ؟ قال : أن تدعو لله ندا وهو خلقك ، قال : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك ; مخافة أن يطعم معك ، قال : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك ، فأنزل الله تصديقها : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما [ الفرقان : 68 ] .

رواه البخاري ( 6861 ) ، ومسلم ( 86 ) ، وأبو داود ( 2310 ) ، والترمذي ( 3181 ) .


[ ص: 280 ] (29) ومن باب أي الذنب أعظم ؟ وذكر الكبائر

(قوله : " أن تدعو لله ندا وهو خلقك ") الند : المثل ، وجمعه : أنداد ، وهو نحو قوله تعالى : فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون [ البقرة : 22 ] ومعناه : أن اتخاذ الإنسان إلها غير خالقه المنعم عليه ، مع علمه بأن ذلك المتخذ ليس هو الذي خلقه ، ولا الذي أنعم عليه : من أقبح القبائح ، وأعظم الجهالات ; وعلى هذا فذلك أكبر الكبائر ، وأعظم العظائم .

و (قوله : " أن تقتل ولدك ; مخافة أن يطعم معك ") هذا من أعظم الذنوب ; لأنه قتل نفس محرمة شرعا ، محبوبة طبعا ، مرحومة عادة ; فإذا قتلها أبوها ، كان ذلك دليلا على غلبة الجهل والبخل ، وغلظ الطبع والقسوة ، وأنه قد انتهى من ذلك كله إلى الغاية القصوى .

وهذا نحو قوله تعالى : ولا تقتلوا أولادكم من إملاق [ الأنعام : 151 ] أي : فقر ، وهذا خطاب لمن كان فقره حاصلا في الحال ، فيخفف عنه بقتل ولده مؤنته من طعامه ولوازمه ، وهذه الآية بخلاف الآية الأخرى التي قال فيها : خشية إملاق [ الإسراء : 31 ] ; فإنه خطاب لمن كان واجدا لما ينفق عليه في الحال ; غير أنه كان يقتله مخافة الفقر في ثاني حال ، وكان بعض جفاة الأعراب وجهالهم ربما يفعلون ذلك . وقد قيل : إن الأولاد في هاتين الآيتين هم البنات ، كانوا يدفنونهن أحياء ; أنفة وكبرا ، ومخافة العيلة والمعرة ، وهي الموءودة [ ص: 281 ] التي ذكر الله تعالى : وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت [ التكوير : 8 و 9 ]

والحاصل : أن أهل الجاهلية كانوا يصنعون كل ذلك ; فنهى الله تعالى عن ذلك ، وعظم الإثم فيه والمعاقبة عليه ، وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك من أعظم الكبائر .

و (قوله : " وأن تزاني حليلة جارك ") الحليلة ، بالحاء المهملة : هي التي يحل وطؤها بالنكاح أو التسري . والجار : المجاور في المسكن ، والداخل في جوار العهد . وتزاني : تحاول الزنى ، يقال : المرأة تزاني مزاناة زنى ، والزنى وإن كان من الكبائر والفواحش ، لكنه بحليلة الجار أفحش وأقبح ; لما ينضم إليه من خيانة الجار ، وهتك ما عظم الله ورسوله من حرمته ، وشدة قبح ذلك شرعا وعادة ; فلقد كانت الجاهلية يتمدحون بصون حرائم الجار ، ويغضون دونهم الأبصار ; كما قال عنترة :


وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواها

و (قوله : " فأنزل الله تصديقها : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون [ الفرقان : 68 ] يعني إلى آخر الآية ; ظاهر هذا : أن هذه الآية نزلت بسبب هذا الذنب الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليس كذلك ; لأن الترمذي قد روى هذا الحديث ، وقال فيه : وتلا النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية : والذين لا يدعون مع الله إلها آخر [ ص: 282 ] الآية ، بدل : فأنزل الله . . ، وظاهره : أنه - عليه الصلاة والسلام - قرأ بعد ذكر هذا الحديث ما قد كان أنزل منها ، على أن الآية تضمنت ما ذكره في حديثه بحكم عمومها ، وسيأتي الكلام على هذه الآية في تفسير سورة الفرقان .

التالي السابق


الخدمات العلمية