المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
1493 (2) باب

الدعاء في السقيا في المسجد وبغير صلاة

[ 766 ] عن أنس بن مالك ، أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة ، من باب كان نحو دار القضاء ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب ، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما ، ثم قال : يا رسول الله ، هلكت الأموال وانقطعت السبل ، فادع الله يغثنا . قال : فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال : اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، اللهم أغثنا ، قال أنس : فلا والله ، ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار . قال : فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس ، فلما توسطت السماء انتشرت ، ثم أمطرت . قال : فلا والله ما رأينا الشمس سبتا . قال : ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب فاستقبله قائما ، فقال : يا رسول الله ! هلكت الأموال وانقطعت السبل ، فادع الله يمسكها عنا . قال : فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ، ثم قال : اللهم حولنا ولا علينا ، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ، ومنابت الشجر . قال : فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس .

رواه أحمد (3 \ 104 و 187) ، والبخاري (1013) ، ومسلم (897) (8) ، وأبو داود (1174 و 1175) ، ، والنسائي (3 \ 154 و 155) .


[ ص: 542 ] (2) ومن باب : الدعاء في السقيا

دار القضاء سميت بذلك ; لأنها بيعت في قضاء دين عمر بن الخطاب الذي كتبه على نفسه لبيت مال المسلمين ، وأوصى أن يباع فيها ماله ، فباع عبد الله ابنه داره هذه من معاوية ، وباع ماله بالغابة ، فكان يقال لها : دار قضاء دين عمر ، ثم اختصروا فقالوا : دار القضاء ، وهي دار مروان ، وكان دين عمر عشرين ألفا ، وقد غلط من قال فيها : دار قضاء الأمراء .

وظاهر هذا الحديث يدل على جواز كلام الداخل مع الخطيب في حال خطبته ، ويحتمل أن يكون إنما كلمه في حال سكتة كانت من النبي - صلى الله عليه وسلم - ; إما لاستراحة في النطق ، وإما في حال الجلوس . والله أعلم .

وقوله : هلكت الأموال ; أي : المواشي . وأصل المال : كل ما يتمول ، وعرفه عند العرب : الإبل ; لأنها معظم أموالهم . وانقطعت السبل ; أي : الطرق ; لهلاك الإبل ، ولعدم ما يؤكل في الطرق .

[ ص: 543 ] وقوله : اللهم أغثنا بالهمزة رباعيا ، هكذا رويناه ، ومعناه : هب لنا غيثا ، والهمزة فيه للتعدية ، وقال بعضهم : صوابه : غثنا ; لأنه من غاث . قال : وأما أغثنا ; فإنه من الإغاثة ، وليس من طلب الغيث ، والأول الصواب . والله أعلم .

وقوله : ولا قزعة ; أي : ولا قطعة من سحاب ، وجمعه : قزع . قال أبو عبيد : وأكثر ما يكون في الخريف . وسلع : بفتح السين المهملة ، وسكون اللام ، وهو : جبل مشهور بقرب المدينة . في البخاري : هو الجبل الذي في السوق .

وتشبيه السحابة بالترس ; في كثافتها واستدارتها . وأمطرت : أنزلت رباعيا ، ويقال : ثلاثيا ; بمعنى واحد ، وقيل : أمطر في العذاب ، ومطر في الرحمة . والأول أعرف .

وقوله : ما رأينا الشمس سبتا ; أي : من سبت إلى سبت ; كما تقول : جمعة ; أي : من جمعة إلى جمعة . والسبت في اللغة : القطع ، وبه سمي يوم السبت . وقال ثابت في تفسير قوله : سبتا : أنه القطعة من الزمان ، يقال : سبت من الدهر ; أي : قطعة منه ، وسبته : قطعته ، وقد رواه الداودي : ستا ، وفسره : بستة أيام من الدهر ، وهو تصحيف .

[ ص: 544 ] وقوله في الثانية : هلكت الأموال وانقطعت السبل ; أي : لامتناع الرعي والتصرف ; لكثرة المطر . وحوالينا : ظرف متعلق بمحذوف ، تقديره : اللهم أنزل حوالينا ولا تنزل علينا . والآكام : جمع أكمة ، وهي : دون الجبال . والآكام : بفتح الهمزة والمد ، ويقال بالكسر : إكام ، وأكم ، وأكم - بفتحها وضمها - ، وقال الخليل : الأكمة : هو تل . والظراب : الروابي ، واحدتها : ظرب ، ومنه الحديث : فإذا حوت مثل الظرب . قال الثعالبي : الأكمة : أعلى من الرابية .

التالي السابق


الخدمات العلمية