المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
1551 [ 804 ] وعن عائشة ، قالت : لما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل ابن حارثة وجعفر بن أبي طالب ، وعبد الله بن رواحة جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرف فيه الحزن . قالت : وأنا أنظر من صائر الباب (شق الباب) فأتاه رجل ، فقال : يا رسول الله ! إن نساء جعفر ، وذكر بكاءهن ، فأمره أن يذهب فينهاهن ، فذهب فأتاه ، فذكر أنهن لم يطعنه ، فأمره الثانية أن ينهاهن فذهب ، ثم أتاه فقال : والله ! لقد غلبننا يا رسول الله ، قالت : فزعمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : اذهب فاحث في أفواههن من التراب . قالت عائشة ، قلت : أرغم الله أنفك والله ما تفعل ما أمرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما تركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العناء .

وفي رواية : من العي .

رواه البخاري (1299) ، ومسلم (935 ، وأبو داود (3122) ، والنسائي (4 \ 15) ، وابن ماجه (1581) .


وقولها : من صائر الباب ، قد فسره في الحديث بشق الباب ، وهكذا صحت روايته . قال الإمام : والصواب : صير الباب - بكسر الصاد - . وفي حديث آخر : من اطلع من صير باب فقد دمر ، وهو شق الباب ، ودمر : دخل بغير إذن . وكون نساء جعفر لم يطعن الناهي لهن عن البكاء ، إما لأنه لم يصرح لهن بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهاهن ، فظنن منه أنه كالمحتسب في ذلك ، وكالمرشد للمصلحة ، أو لأنهن غلبن في أنفسهن على سماع النهي ; لحرارة المصيبة ، والله تعالى أعلم .

وقوله : احث في أفواههن التراب ; يدل على أنهن صرخن ; إذ لو كان [ ص: 589 ] بكاء بالعين فقط ، لما كان لملء أفواههن بالتراب معنى ، وليس أمره - صلى الله عليه وسلم - للرجل بذلك ليفعله بهن على كل حال ، ولكن على طريق أن هذا مما يسكتهن إن فعلنه ، فافعله إن أمكنك ، وهو لا يمكنك . وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر ، إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن ذلك ، وإلا فالملاطفة فيه أولى إن وقعت .

وقول عائشة - رضي الله عنها - للرجل : أرغم الله أنفك ; أي : ألصقه الله بالرغام - وهو التراب - ، دعت عليه ; لأنها فهمت أنه أحرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكثرة تكراره عليه وإخباره ببكائهن ، ولذلك قالت له : والله ما تفعل ما أمرك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; أي : لا تقدر على فعله ، لتعذره : وما تركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العناء . ولم ترد الاعتراض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمره .

ووقع في رواية العذري مكان : من العناء من الغي - بالغين المعجمة والياء المشددة ، الذي هو ضد الرشد ، وعند الطبري مثله ، إلا أنه بالمهملة . والأول أليق بالمعنى وأصح ، وكذلك رواه البخاري .

التالي السابق


الخدمات العلمية