المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
1659 [ 860 ] وعن أبي هريرة ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (إن الله قال لي : أنفق أنفق عليك) .

وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (يمين الله ملأى لا يغيضها ، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض ، فإنه لم يغض ما في يمينه ، قال : وعرشه على الماء ، وبيده الأخرى القبض ، يرفع ويخفض)


رواه أحمد (2 \ 242 و 500)، والبخاري (4684)، والترمذي (3045)، وابن ماجه (197) .


[ ص: 37 ] وقوله : ( يمين الله ملأى ) ; كذا صحت الرواية ، وهي الصواب . ومن رواها " ملآن " فقد أخطأ ، فإن اليمين اسم اليد ، واليد مؤنثة . ونسبة اليمين إلى الله تعالى نسبة مجازية توسعية ، عبر بها عن كثرة العطاء ، والقدرة عليه ، [وحمل على هذه الاستعارة عادة التخاطب وحصول التفاهم] ، ومنه قوله تعالى : لأخذنا منه باليمين واليد : عبارة عن القدرة ، وتسميتها باليمين: على ما تعارفناه فيما بيننا من أن القوة والبطش والتصرف إنما هو باليمين ; ولأنه مشتق من اليمن والبركة .

وكذلك قال في حديث آخر : (وكلتا يديه يمين) ; نافيا لتوهم النقص والقصور في حقه تعالى .

وكذلك كل ما أطلق على الله تعالى ; مما يدل على الجوارح والأعضاء ; كالأعين والأيدي والجنب والأصبع ، وغير ذلك مما يلزم من ظاهره التجسيم ، الذي تدل العقول بأوائلها على استحالته ، فهي كلها [ ص: 38 ] متأولة في حقه تعالى ; لاستحالة حملها على ظواهرها .

وقوله : ( سحاء ) بالمد والهمز والرفع ، على أنه خبر بعد خبر . و " الليل والنهار " منصوبان على الظرف ، متعلقان بما في " سحاء " من معنى الفعل ، وهي الرواية المشهورة . وعند أبي بحر : " سحاء " منصوبا منونا على أنه مصدر صدره محذوف ، يدل عليه قوة الكلام ، كأنه قال : تسح سحا . ويكون من باب قوله :


ما إن تمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق طي المحمل

والسح " : الصب الكثير ، كما قال امرؤ القيس :


فدمعهما سكب وسح وديمة      . . . . . . . . . . . . .

ويغيضها " : ينقصها . يقال : غاض الماء ، وغضته ، متعديا ولازما . وفاعله مضمر تدل عليه المشاهدة . تقديره : لا ينقصها شيء . وقد جاء هذا المضمر مظهرا في رواية ابن نمير . فقال : " لا يغيضها شيء " .

ووقع عند الطبري في حديث عبد الرزاق : " لا يغيضها سح الليل والنهار " ، برفع " سح " على أنه فاعل " يغيضها " .

وخفض " الليل والنهار " بالإضافة: على التوسع ، كما قالوا : يا سارق الليلة أهل الدار .

وقوله : ( وعرشه على الماء ) : العرش: السرير في أصل اللغة ، وهو من [ ص: 39 ] الرفع كما تقدم . وليس معناه في حق الله تعالى السرير ، ولا المحل ; إذ لو كان كذلك لكان محمولا ، ولكان مفتقرا ، ويلزم منه حدوثه ، وإنما العرش المضاف إليه عبارة عن موجود عظيم ، هو أعظم المخلوقات . خلقه الله على الماء ، فاستولى عليه ، بمعنى : أنه سخره كيف شاء .

قال كعب في قوله تعالى : وكان عرشه على الماء إن الله تعالى بدأ الخلق ياقوتة خضراء ، فنظر إليها بالهيبة فصارت ماء ، ثم خلق عرشه عليه . وقال ابن عباس : وكان عرشه على الماء ; أي : فوقه ; إذ لم يخلق سماء ولا أرضا .

وظاهر هذا الحديث : أن العرش حالة إخباره - صلى الله عليه وسلم - هو على الماء كما قال كعب ، وظاهر كلام ابن عباس : أنه لما خلق السماوات والأرض ، أضيفت فوقية العرش إليهما .

وقوله : ( وبيده الأخرى القبض ) ; ولم يقل اليسرى ، ولا الشمال ، اجتنابا لما تضمنته ألفاظهما ، ونفيا لتوهم النقص ; ولذلك قال : (وكلتا يديه يمين) . ويفهم من إضافة اليدين إليه تعالى : قدرته على [المخلوقات] .

والقيض " - بالقاف والياء باثنتين من أسفل . والقبض في الرواية الأولى : هو نقيض البسط ، ولذلك اكتفى بذكره عن البسط ، وصار هذا كقوله : (بيدك الخير) ، اكتفى به عن ذكر نقيضه ، وهو الشر . ويكون هذا الحديث مثل قوله تعالى : والله يقبض ويبسط ; أي : يقبض الأرزاق ، والأرواح ، والقلوب ، والأمور كلها ، بالقبض اللائق بها . ويبسطها ببسطها اللائق بها .

وقوله : ( يرفع ويخفض ) ; أي : يعلي ويضع ، ويعز ويذل ، ويفعل ما يريد من الشيء ونقيضه .

التالي السابق


الخدمات العلمية