المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
1674 (9) باب

أعمال البر صدقات

[ 872 ] عن أبي ذر ، أن ناسا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا للنبي : يا رسول الله ! ذهب أهل الدثور بالأجور ، يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم ، ويتصدقون بفضول أموالهم قال : (أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ؟ إن بكل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، وفي بضع أحدكم صدقة) . قالوا : يا رسول الله ! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : (أرأيتم لو وضعها في حرام ، أكان عليه فيها وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) .

رواه أحمد (5 \ 167 و 168)، ومسلم (720)و(1006)، وأبو داود (5243 و 5244)، والنسائي (7 \ 304) .


(9) ومن باب: أعمال البر صدقات

قد تقدم القول على الدثور ، وعلى تفضيل الفقر في كتاب الصلاة . ومقصود هذا الحديث : أن أعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور ، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة . ويفهم منه : أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها .

[ ص: 52 ] وقوله : ( في بضع أحدكم صدقة ) ، البضع بضم الباء : الجماع ، وأصله : الفرج . قال الأصمعي : يقال : ملك فلان بضع فلانة : إذا ملك عقد نكاحها ، وهو كناية عن موضوع الغشيان ، والمباضعة : المباشرة ، والاسم : البضع . وفيه دليل : على أن النيات الصادقات تصرف المباحات إلى الطاعات .

وقولهم : " أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ " استفهام من استبعد حصول أجر بفعل مستلذ ، يحث الطبع عليه ، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفح الأكثر من الشريعة ، وهو أن الأجور إنما تحصل في العبادات الشاقة على النفوس المخالفة لها . ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - أجابهم على هذا بقياس العكس ، فقال : ( أرأيتم لو وضعها في حرام ؟) ونظمه : كما يأثم في ارتكاب الحرام ، يؤجر في فعل الحلال . وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يقابل به الآخر من الذوات والأحكام .

وقد اختلف الأصوليون في هذا النوع من القياس ، هل يعمل عليه أم لا ؟ على قولين . وهذا الحديث حجة لصحة العمل بهذا النوع .

التالي السابق


الخدمات العلمية