المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2080 (8) باب

الفدية للمحرم

[ 1071 ] عن كعب بن عجرة قال: أتى علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- زمن الحديبية وأنا أوقد تحت قدر لي: والقمل يتناثر على وجهي ، فقال: أتؤذيك هوام رأسك ؟ قال: قلت: نعم . قال: فاحلق وصم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، أو انسك نسيكة . قال أبو قلابة : فلا أدري بأي ذلك بدأ .

وفي رواية : أنه عليه الصلاة والسلام مر به قبل أن يدخل مكة وهو محرم .

وفي أخرى : فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : احلق ثم اذبح شاة نسكا ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين .

وفي أخرى : قال كعب : في خاصة نزلت هذه الآية : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه وهي لكم عامة .

رواه أحمد (4 \ 241)، والبخاري (1817)، ومسلم (1201) (80 و 82 و 83 و 84)، والترمذي (2974)، والنسائي (5 \ 194)، وابن ماجه (3080) .


[ ص: 287 ] (8) ومن باب: الفدية للمحرم

قوله : ( أتؤذيك هوام رأسك ) ; سؤال عن تحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم . و ( تؤذيك ) : تؤلمك . ولما أخبره بالمشقة التي هو فيها خفف عنه ، وقد تبين بمجموع روايات هذا الحديث : أنه كان محرما ، وأنه لما أباح له الحلق أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية ، وأنها ثلاثة أنواع مخير بينها ، وأن الصيام ثلاثة أيام ، وأن الإطعام لستة مساكين مدين ، مدين لكل مسكين ، وأن النسك شاة ، فصار هذا الحديث مفسرا لما في قوله تعالى : فمن كان منكم مريضا الآية ، من مجمل . وصار هذا الحديث مع الآية أصلا : في أن المحرم إذا استباح شيئا من ممنوعات الإحرام التي لا تفسده ، فانتفع بذلك ، لزمته الفدية . قال أحمد بن صالح : حديث كعب بن عجرة معمول به عند الجميع .

قال القاضي أبو الفضل : ولم يقع في شيء منه خلاف إلا في الإطعام ، فروي عن أبي حنيفة ، والثوري : أن الصاع إنما هو في التمر والشعير ، وأما البر : فنصف صاع . وعن أحمد رواية : مد من البر ، ونصف صاع من غيره ، وكذلك روي عن الحسن ، وعن بعض السلف : أن الإطعام لعشرة مساكين ، والصيام عشرة أيام ، ولم يتابعوا عليه . واتفق غير هؤلاء وكل من جاء بعدهم : على إطعام ستة مساكين ، وصيام ثلاثة أيام .

[ ص: 288 ] قلت : وتلك الأقوال كلها مخالفة لنص الحديث المتقدم ، وهو حجة على كل من خالفه . ويستوي عندنا لزوم الفدية في حق العامد ، والناسي ، والمخطئ . وخالف في الناسي الشافعي في أحد قوليه ، وداود وإسحاق ; فقالوا : لا دم عليه .

وقوله : ( أو انسك نسيكة ) ، وفي الأخرى : (ثم اذبح شاة نسكا) ; دليل على أنها ليست بهدي ، وإذا كان كذلك ، فيجوز أن يذبحها حيث شاء ، وكذلك الإطعام يخرجه حيث شاء ، وهو قول مالك وغيره . ولم يختلف قول الشافعي : في أن [ ص: 289 ] الدم ، والإطعام لا يكون إلا بمكة . واختلف فيه قول أبي حنيفة ، فقال مرة بقول الشافعي ، ومرة قال بذلك في الدم دون الإطعام . ولم يختلف في الصيام : أنه يفعله حيث شاء .

التالي السابق


الخدمات العلمية