المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2295 2292 (39) باب في الحلاق والتقصير

[ 1153 ] عن ابن عمر ، قال : حلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم ، قال عبد الله: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "رحم الله المحلقين" مرة، أو مرتين، ثم قال: (والمقصرين) .

رواه أحمد ( 2 \ 119 و 141) والبخاري ( 1727)، ومسلم ( 1301)(316)، وأبو داود (1979)، والترمذي (913)، وابن ماجه (3044).

[ 1154 ] وعنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "رحم الله المحلقين" قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قال : "والمقصرين" .

وفي رواية : قال في الرابعة : "والمقصرين".

رواه مسلم (1301) (317- 319).

[ 1155 ] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين. قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين". قالوا: يا رسول الله! وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين" .

رواه البخاري ( 1728)، ومسلم ( 1302)، وابن ماجه (303).

[ 1156 ] وعن يحيى بن الحصين، عن جدته ، أنها سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا ، وللمقصرين مرة.

رواه مسلم (1303).


(39) ومن باب: الحلاق والتقصير

أحاديث هذا الباب تدل: على أن الحلاق نسك يثاب فاعله . وهو مذهب [ ص: 404 ] الجمهور . وذهب الشافعي في أحد قوليه ، وأبو ثور ، وأبو يوسف ، وعطاء : إلى أنه ليس بنسك ، بل هو مباح . قال الشافعي : لأنه ورد بعد الحظر ، فحمل على الإباحة ، كاللباس ، والطيب . وهذه الأحاديث ترد عليهم من وجهين :

أحدهما : أنها تضمنت أن كل واحد من الحلاق والتقصير فيه ثواب ، ولو كان مباحا لاستوى فعله وتركه .

وثانيهما : تفضيل الحلاق على التقصير . ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما مزية على الآخر في نظر الشرع .

واختلف القائلون بكونهما نسكين في الموجب لأفضلية الحلاق على التقصير. فقيل : لما ذكر عن ابن عباس قال : حلق رجال يوم الحديبية ، وقصر آخرون ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (اللهم ارحم المحلقين) ثلاثا ، قيل : يا رسول الله! لم ظاهرت لهم بالترحم ؟ قال : (لأنهم لم يشكوا) . وحاصله : أنه أمرهم يوم الحديبية بالحلاق ، فما قام منهم أحد ; لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح ، فلما حلق النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا للمحلقين ، أو استغفر لهم ثلاثا ، وللمقصرين واحدة ، فبادروا إلى ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر : وكون ذلك يوم الحديبية هو المحفوظ. وقيل : بل كان ذلك في حجة الوداع ; كما روته أم الحصين من طريق قتادة ، وهو إمام ثقة ، وإنما كان الحلاق أفضل لأنه أبلغ في العبادة ، وأدل على صدق النية في [ ص: 405 ] التذلل لله تعالى ; لأن المقصر مبق على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاج أن يكون مجانبا لها . والله أعلم .

والمحصر في الحلاق والتقصير كغيره ; في كون ذلك نسكا له ، وقال أبو حنيفة ، وصاحباه : ليس على المحصر شيء من ذلك ، ويرده حلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية .

ولا خلاف في أن حكم النساء التقصير ، وأن الحلاق غير لازم لهن عندنا وعند كثير من العلماء ، على أن الحلاق لهن غير جائز ; لأنه مثلة فيهن . ويدل على أنه ليس بمشروع لهن : بما رواه أبو داود عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : (ليس على النساء الحلق ، إنما على النساء التقصير) .

وجمهورهم: على أن من لبد ، أو عقص ، أو ضفر لزمه أن يحلق ، ولا يقصر [ ص: 406 ] للسنة الواردة بذلك ; ولأن التقصير لا يعم الشعر . ومن سنته عموم التقصير . وخالف في هذا أصحاب الثوري ، وقالوا : إن الملبد والمضفر كغيره يجزئه التقصير .

التالي السابق


الخدمات العلمية