المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2320 (43) باب

التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها والاشتراك فيها

[ 1170 ] عن علي قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بدنه، وأن أتصدق بلحومها وجلودها، وأجلتها، ........... وألا أعطي الجزار منها قال: نحن نعطيه من عندنا ... وفي رواية : في المساكين.

رواه أحمد ( 1 \ 132) والبخاري ( 1716)، ومسلم ( 1317)، وأبو داود (1769)،وابن ماجه (3099).


(43) ومن باب: التصدق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها

البدن : جمع بدنة ، وهي العظيمة الجسم . ومنه : بدن الرجل ، بدانة ; أي : كثر لحمه . وقد تقدم ذلك .

[ ص: 416 ] وأمره - صلى الله عليه وسلم - بالتصدق بلحوم البدن ، وجلودها ، وأجلتها ; دليل : على أن جلود الهدي وجلالها لا تباع ; لأنه عطفها على اللحم وحكم لها بحكمه. وقد اتفق على أن لحمها لا يباع ، فكذلك الجلود والجلال. وكان ابن عمر يكسو جلالها الكعبة ، فلما كسيت الكعبة تصدق بها ، أخذا منه بهذا الحديث. وممن صار إلى منع بيع جلودها عطاء ، والنخعي ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ; وقالوا : يتصدق وينتفع بها . وروي عن ابن عمر ; أنه قال : لا بأس أن يبيع جلد هديه ويتصدق بثمنه. وروي هذا عن أحمد ، وإسحاق . وكان أبو ثور يرخص في بيعه . وقال النخعي ، والحكم : لا بأس أن يشتري به المنخل وشبهه .

وقوله : (ولا أعطي الجازر منها) ; يدل على أنه لا تجوز المعاوضة على شيء منها ; لأن الجزار إذا عمل عمله استحق الأجرة على عمله ، فإن دفع له شيء منها كان ذلك عوضا على فعله ، وهو بيع ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها ، وهي الجزر . والجمهور : على أنه لا يعطى الجازر منها شيئا ، تمسكا بالحديث . وكان الحسن البصري ، وعبد الله بن عمير لا يريان بأسا أن يعطى الجزار الجلد .

وقوله : (نحن نعطيه من عندنا) ; مبالغة في سد الذريعة ، وتحقيق للجهة التي تجب عليها أجرة الجازر ; لأنه لما كان الهدي منفعته له تعينت أجرة التي تتم به تلك المنفعة عليه .

وفيه أبواب من الإجارة ، وحكمها .

[ ص: 417 ] وفيه دليل على تجليل البدن . وهو ما مضى عليه عمل السلف ، ورآه أئمة العلماء : مالك ، والشافعي ، وغيرهما . وذلك بعد إشعار الهدي ; لئلا تتلطخ الجلال . وهي على قدر سعة المهدي ; لأنها تطوع غير لازم ، ولا محدود . قال ابن حبيب : منهم من كان يجلل الوشي ، ومنهم من يجلل الحبر ، والقباطي ، والملاحف ، والأزر . وتجليلها : ترفيه لها ، وصيانة ، وتعظيم لحرمات الله ، ومباهاة على الأعداء من المخالفين ، والمنافقين . قال مالك : وتشق على الأسنمة إن كانت قليلة الثمن لئلا تسقط ، وما علمت من ترك ذلك إلا ابن عمر استبقاء للثياب ; لأنه كان يجلل الجلال المرتفعة من الأنماط ، والبرود ، والحبر . قال مالك : أما الحلل فتنزع لئلا يخرقها الشوك . قال : وأحب إلي إن كانت الجلال مرتفعة أن يترك شقها ، ولا يجللها حتى تغدو من عرفات . ولو كانت بالثمن اليسير فتشق من حيث يحرم . وهذا في الإبل ، والبقر دون الغنم .

التالي السابق


الخدمات العلمية