المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2342 [ 1177 ] وعن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا يسوق بدنة - وفي رواية : مقلدة - فقال: " اركبها" فقال: يا رسول الله! إنها بدنة فقال: "اركبها ويلك" في الثانية، أو في الثالثة.

رواه أحمد ( 2 \ 487 ) والبخاري ( 1689)، ومسلم ( 1322) (371)، وأبو داود (1760)، والنسائي ( 5 \ 176)، وابن ماجه (3103).


وقوله - صلى الله عليه وسلم - لسائق البدنة : ( اركبها ) ; أخذ بظاهره أحمد ، وإسحاق ، وأهل الظاهر . وروى ابن نافع عن مالك : لا بأس بركوب الرجل بدنته ركوبا غير فادح . وأوجب ركوبها بعضهم لهذا الأمر . وذهب مالك في المشهور: إلى أنه لا يركبها إلا إن اضطر إليها ، محتجا بقوله - صلى الله عليه وسلم - : (اركبها إذا ألجئت إليها بالمعروف) ; وهذا المقيد يقضي على ذلك المطلق على ما يعرف في الأصول . وبنحو ذلك قال الشافعي ، وأبو حنيفة . ثم إذا ركبها عند الحاجة فاستراح ; نزل . قال إسماعيل القاضي : وهو الذي يدل عليه مذهب مالك ، وهو خلاف ما ذكره ابن القاسم : أنه لا يلزمه النزول ، وحجته إباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - له الركوب ، فجاز له استصحابه . وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب المباح فعليه قيمة ذلك ، ويتصدق به .

[ ص: 423 ] وقوله : ( اركبها ويلك! ) تأديب له لأجل مراجعته ، وقول الرجل : ( إنها بدنة ) ، وقد كان حالها غير خاف على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإنها كانت مقلدة ، ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم عن الرجل : أنه لا يرى ركوبها بحال على عادة الجاهلية في البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، فزجره عن ذلك . وقيل : إنما قال له ذلك لأن هذا الرجل قد كان جهد من المشي ، ووصل إلى حد الهلكة .

و ( الويل ) : الهلكة . فقوله : ( ويلك ) ; أي : أشرفت على الهلاك لما رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - من الشدة . وقيل : إن هذه الكلمة مما تدغم فيها العرب كلامها . كقولهم : لا أم له ولا أب . وتربت يمينك . ومن ذلك : قوله - صلى الله عليه وسلم - : (ويل أمه مسعر حرب) . وقد تقدم هذا النحو في الطهارة .

التالي السابق


الخدمات العلمية