المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2348 (45) باب

ما عطب من هدي التطوع قبل محله

[ 1179 ] عن ابن عباس قال : بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بست عشرة بدنة مع رجل وأمره فيها ، قال: مضى، ثم رجع ، فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع علي فيها؟ ............ قال: " انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعله في صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك".

وفي رواية : بعث بثماني عشرة بدنة .

رواه أحمد ( 1 \ 217)، ومسلم ( 1325)، وأبو داود (1763)، والنسائي في الكبرى( 4136)، وابن ماجه (3105).


(45) ومن باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محله

قوله : ( كيف أصنع بما أبدع علي منها ) ; أي : بما كل منها ، وعيي ، فوقــف. وقد يقال : على ما عطب منها . قال الهروي : يقال للرجل إذا كلت ركابه ، أو عطبت وبقي منقطعا به : أبدع به . وهو مبني لما لم يسم فاعله . وفي "الأم" قال : وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها فأزحفت عليه ، فعيي بشأنها إن هي أبدعت . الرواية : (أزحفت) رباعيا ، مفتوح الحاء . قال الخطابي : كذا يقوله المحدثون . [ ص: 425 ] والأجود : (فأزحفت) بضم الألف ، يقال : زحف البعير : إذا قام من الإعياء ، وأزحفه المسير. وقال أبو عبيد الهروي : أزحف البعير ، فأزحفه السير . و (إن) تروى بكسر الهمزة على الشرط ، وبفتحها : على أنها معمولة لحرف جر حذف ، فتعدى الفعل إليها الذي هو : عي ، : وعيي - مشددا ومفككا ، وهما لغتان معروفتان ، وعليهما قرئ : من حي عن بينة [الأنفال: 42] وفي "الأم" : لأستحفين عن ذلك ; أي : لأكثرن السؤال عنه . يقال : أحفى في المسألة ، وألح ، وألحف : إذا بالغ فيها. ومنه قوله تعالى : كأنك حفي عنها [الأعراف: 187] ; أي : كأنه كثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها ، ومنه قول الأعشى :


فإن تسألي عنا فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا

وقوله : ( ثم اصبغ نعليها في دمها ، ثم اجعلها على صفحتها ) ; يعني : النعل الذي قلدها به يجعله على صفحة عنقها ، وإنما أمره بذلك ليكون ذلك علامة على أنه هدي ، فيمتنع منه كل من لا يحل له أكله على ما يأتي .

وقوله : ( ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك ) ; يعني برفقته : المرافقين له في سوق الهدي ومن يتعلق به . وإنما منعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفاقته من أكلها سدا للذريعة ; لأنه لو لم يمنعهم من ذلك لأمكن أن يبادروا إلى نحرها ، أو يتسببوا إلى ذلك ليأكلوها ، فلما منعهم من المحذور المتوقع انسد ذلك الباب . وهذا وأشباهه من المواضع الواقعة في الشريعة حمل مالكا على القول بسد الذريعة. وهو أصل عظيم لم يظفز به إلا مالك بدقة نظره ، وجودة قريحته . وبظاهر هذا النهي قال [ ص: 426 ] ابن عباس ، واختاره ابن المنذر فقالا : لا يأكل منها سائقها ، ولا أحد من أهل رفقته . وقال مالك والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، ومن تبعهم : لا يأكل منها سائقها شيئا ، ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها . وروي عن ابن عمر : أنه كان يرى الأكل منها . وعلى قول المانعين : فإن أكل منها ضمنها عند مالك وغيره .

وكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يلزم صاحب الهدي المعطوب بدلا ; دليل للجمهور على أنه لا بدل عليه في هدي التطوع ; إذ لو كان لبينه له ; لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . فأما الواجب منه : فعليه بدله ; لأنه متعلق بذمته ، وله الأكل منه ، والإطعام للأغنياء وغيرهم عند جمهور العلماء غير مالك . واختلفوا : هل له بيعه ؟ فمنعه مالك ، وأجازه الآخرون ، وعبد الملك .

وأما إذا بلغ الهدي محله ، فاختلف العلماء فيما يأكل منه صاحبه . فمشهور مذهب مالك : أنه لا يأكل من ثلاثة: من جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله - واجبا كان أو تطوعا - ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار . ثم إذا أكل مما منع منه ; فهل يغرم قدر ما أكل منه ؟ أو يغرم هديا كاملا ؟ قولان في مذهبنا . وقال الشافعي ، وأبو ثور : ما كان أصله واجبا ; فلا يأكل منه . وما كان تطوعا ، ونسكا أكل منه ، وأهدى ، وادخر ، وتصدق . والمتعة والقران عنده نسك . ونحوه مذهب الأوزاعي . وقال أبو حنيفة ، وأصحاب الرأي : يأكل من هدي المتعة ، والتطوع ، ولا يأكل مما سوى ذلك . وحكي عن مالك : أنه لا يأكل من دم الفساد . وعلى قياس هذا : لا يأكل من دم الجبر ، كقول الشافعي والأوزاعي .

التالي السابق


الخدمات العلمية