المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2439 (59) باب

الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها

[ 1228 ] عن أبي سعيد مولى المهري أنه أصابهم بالمدينة جهد وشدة، وأنه أتى أبا سعيد الخدري فقال له: إني كثير العيال، وقد أصابتنا شدة ، فأردت أن أنقل عيالي إلى بعض الريف ! فقال أبو سعيد: لا تفعل ، الزم المدينة ، فإنا خرجنا مع نبي الله صلى الله عليه وسلم - أظن أنه قال: حتى قدمنا عسفان - فأقام بها ليالي ، فقال الناس: والله ما نحن هاهنا في شيء وإن عيالنا لخلوف ما نأمن عليهم ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال: ما هذا الذي يبلغني من حديثكم - ما أدري كيف قال - والذي أحلف به - أو والذي نفسي بيده - لقد هممت - أو إن شئتم ، لا أدري أيتهما قال - لآمرن بناقتي ترحل ثم لا أحل لها عقدة حتى أقدم المدينة . وقال: " اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حرما، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها ; ألا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تخبط فيها شجرة إلا لعلف، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مدنا، اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين، والذي نفسي بيده ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها حتى تقدموا إليها" . ثم قال للناس: ارتحلوا - فارتحلنا فأقبلنا إلى المدينة ، فوالذي يحلف به - أو نحلف به ، الشك من حماد - ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة حتى أغار علينا بنو عبيد الله بن غطفان، وما يهيجهم قبل ذلك شيء .

رواه أحمد (3 \ 34 و 47) ومسلم (1374) (475).


[ ص: 490 ] (59) ومن باب: الترغيب في سكنى المدينة

قوله " إن أهلنا لخلوف " بضم الخاء المعجمة من فوقها ; أي : لا حافظ لهم ولا حامي ، يقال : حي خلوف - أي : غاب عنهم رجالهم.

وقوله " لآمرن بناقتي ترحل " مشددة الحاء ; أي : يجعل عليها الرحل .

وقوله " ثم لا أحل لها - أو عنها - عقدة " ; أي : أصل المشي والإسراع ، وذلك لمحبته الكون في المدينة وشدة شوقه إليها ، وقد تقدم الكلام في المأزمين .

[ ص: 491 ] وقوله " لا يحمل فيها سلاح ، ولا تخبط فيها شجرة " ، هذا كله يقضي بالتسوية بين حرم المدينة وحرم مكة ، وهو رد على أبي حنيفة على ما تقدم .

وقوله " إلا لعلف " ، لم يذكر هذا الاستثناء في شجر مكة ، وهو أيضا جار فيها ولا فرق بينهما ، وكذلك ذكر في مكة " إلا الإذخر " ولم يذكره في المدينة ، وهو أيضا جار فيها ; إذ لا فرق بين الحرمين . والحاصل من الاستثنائين أن ما دعت الحاجة إليه من العلف والانتفاع بالحشيش جاز تناوله على وجه المس والرفق من غير عنف ولا كسر غصن ، وهو حجة على من منع شيئا من ذلك .

وقوله " ما من المدينة شعب ولا نقب إلا عليه ملكان يحرسانها " ، الشعب - بكسر الشين : هو الطريق في الجبل ، قاله يعقوب وغيره . والنقب - بفتح النون وضمها : هو الطريق على رأس الجبل . وقيل : هو الطريق ما بين الجبلين . وقال الأخفش : أنقاب المدينة طرقها وفجاجها . و " ما يهيجهم " ; أي : ما يحركهم . يقال : هاج الشيء وهجته ، وهاجت الحرب وهاجها الناس ; أي : حركوها وأثاروها . و " بنو عبد الله بن غطفان " كانوا يسمون في الجاهلية بني عبد العزى ، سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد الله فسمتهم العرب بني محولة لتحويل اسمهم ، وفي هذا ما يدل على أن حراسة الملائكة للمدينة إنما كان إذ ذاك في مدة غيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنها نيابة عنهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية