المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3324 (20) باب

في غزاة حنين وما تضمنته من الأحكام

[ 1291 ] عن عباس بن عبد المطلب ، قال : شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين ، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، فلم نفارقه ، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بغلة له بيضاء ، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي ، فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يركض بغلته قبل الكفار. قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، أكفها إرادة أن لا تسرع ، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله-صلى الله عليه وسلم- ، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: أي عباس ، ناد أصحاب السمرة. فقال عباس ، وكان رجلا صيتا ، فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها ، قال : فقالوا: يا لبيك يا لبيك. فاقتتلوا والكفار ، والدعوة في الأنصار ، يقولون: يا معشر الأنصار ، يا معشر الأنصار ، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج ، فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج ، يا بني الحارث بن الخزرج ، فنظر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا حين حمي الوطيس ، قال: ثم أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ، ثم قال: انهزموا ورب محمد. قال: فذهبت أنظر ، فإذا القتال على هيئته فيما أرى ، قال: فوالله ما هو إلا أن رماهم بحصياته ، فما زلت أرى حدهم كليلا ، وأمرهم مدبرا .

وفي رواية : انهزموا ورب الكعبة ! انهزموا ورب الكعبة ! حتى هزمهم الله . قال : وكأني أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يركض خلفهم على بغلته.


رواه أحمد ( 1 \ 207 ) ومسلم (1775) (76 و 77).


(20) ومن باب: غزوة حنين

كانت غزوة حنين بعد فتح مكة بأيام ، وذلك أن مكة فتحت لعشر بقين من رمضان سنة ثمان من الهجرة ، وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من [ ص: 614 ] تلك السنة . و ( حنين ) : موضع معروف ، سمي باسم رجل لازمه ، ويصرف ولا يصرف . وأنشد في الصحاح :


نصروا نبيهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال

والأغلب عليه الصرف .

و ( فروة بن نفاثة ) صوابه : بالنون المرفوعة ، والفاء ، والثاء المثلثة . كذا لجميع الرواة . وقد قيده بعضهم : (نباتة) بالنون والباء بواحدة ، والتاء باثنتين من فوقها ، وكأنه تصحيف ، وقد رواه مسلم من حديث معمر عن ابن شهاب . فقال : فروة بن نعامة ، والأول أشهر . واختلف في إسلامه . وفي البخاري : أن مهدي البغلة للنبي -صلى الله عليه وسلم- ملك أيلة ، واسمه فيما ذكره ابن إسحاق : يحنة بن رؤبة .

وقبوله -صلى الله عليه وسلم- هدية فروة يعارضه قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( إني نهيت عن زبد المشركين ) ، وامتنع من قبول هديتهم .

وقد اختلف في هذين الحديثين . فمن العلماء من ذهب إلى أن حديث فروة ناسخ للحديث الآخر . ومنهم من رام الجمع بينهما فقال : حيث قبل فإنما قبل استئلافا ، وطمعا في إسلام المهدي ، وحيث رد لم يطمع في [ ص: 615 ] ذلك . وقيل : إنما رد حيث لم تكن فيه مصلحة للمسلمين ، وقيل حيث كان فيه ذلك . وقيل : إنما رد ما أهدي له في خاصة نفسه ، وقبل ما علم منه خلاف ذلك ; قاله الطبري . قال : ولا حجة لمن احتج بنسخ أحد الحديثين للآخر ; إذ لم يأت في ذلك بيان . وقيل : إنما قبل هدية أهل الكتاب ; إذ قد أبيح لنا طعامهم ، ورد هدايا المشركين ; إذ لم يبح لنا ذلك منهم . وأشبه هذه الأقوال قول من قال بالاستئلاف والمصلحة . والكل محتمل . والله تعالى أعلم.

وركوبه -صلى الله عليه وسلم- البغلة في ذلك الموطن مبالغة في الثبات ، والصبر ، ويدل على العزم على عدم الفرار كما قد فعل حين انهزم الناس عنه ، وهو مقبل على العدو ، يركض بغلته نحوهم . وقد زاد على ذلك ، كما ذكر في الرواية الأخرى : إنه نزل بالأرض على عادة الشجعان في المنازلة. وهذا كله يدل : على أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أشجع الناس وأثبتهم في الحرب ، ولذلك قالت الصحابة رضي الله عنهم : إن الشجاع منا للذي يلوذ بجانبه .

و ( السمرة ) : هي شجرة الرضوان التي بايعه تحتها أصحابه بيعة الرضوان بالحديبية . وكانوا بايعوه على ألا يفروا ، فلما سمعوا النداء ، تذكروا العهد ، فارتجعوا رجعة واحدة ، كرجل واحد ، وهم يلبون النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ولسرعة رجعتهم [ ص: 616 ] واجتماعهم شبههم بعطفة البقر على أولادها . وهذا كله يدل على قربهم من النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ ذاك ، وأن انهزامهم لم يكن إلى بعد ، ولا من جميعهم ، بل المنهزم إنما كان أكثرهم من أهل مكة والطلقاء ، ومن في قلبه مرض ، ولذلك كان بعضهم يقول في حال انهزامه : لا يردهم إلا البحر .

وقوله : ( فاقتتلوا والكفار ) بنصب الراء على أن تكون الواو بمعنى (مع) وهو أولى ; لما يلزم في الأحسن من توكيد الضمير المرفوع حين يعطف عليه .

وقوله -صلى الله عليه وسلم- (هذا حين حمي الوطيس) يجوز في حين البناء على الفتح ; لأنه مضاف إلى جملة مبنية ، ويجوز فيه الضم ، على أن يكون (الحين) خبر المبتدأ ، وهذا على نحو قول الشاعر :


على حين عاتبت المشيب على الصبا      ........................

روي بالخفض والفتح . و ( حمي ) : استعر واتقد. و ( الوطيس ) : موضع [ ص: 617 ] وقود النار ، واستعاره هنا لشدة الحرب . وهذا نحو قوله تعالى : كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة: 64] وهذه الاستعارة العجيبة لا يعرف من تكلم بها قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- من العرب ، ومنه تلقيت فصيرت مثلا في الأمر إذا اشتد ، قاله ابن الأعرابي . وقال الأصمعي : الوطيس : الحجارة المحماة . وعلى هذا فهو جمع وطيسة . وقال أبو عمر المطرز : هو التنور . وحينئذ لا يكون جمعا .

ورميه -صلى الله عليه وسلم- في وجوه الكفار بالتراب ، وإصابته أعين جميعهم من أعظم معجزاته ; إذ ليس في قوة البشر إيصال ذلك إلى أعينهم ، ولا يسع كفه ما يعمهم ، وإنما كان ذلك من صنع الله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ، ولذلك قال تعالى : وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى [الأنفال: 17] وكذلك قوله : ( انهزموا ورب الكعبة ) قبل وقوع الهزيمة ، هو من معجزاته الخبرية ، فإنه خبر عن الغيب .

وقوله : ( شاهت الوجوه ) - على ما في حديث سلمة - : خبر معناه : الدعاء ; أي : اللهم شوه وجوههم . أو هو : خبر عما يحل بهم من التشويه عند القتل ، والأسر ، والانتقام .

التالي السابق


الخدمات العلمية