المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3365 (24) باب

في التحصين بالقلع والخنادق عند الضعف عن مقاومة العدو وطرف من غزوة الأحزاب

[ 1304 ] عن البراء بن عازب قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- : يوم الأحزاب ينقل التراب معنا ، ولقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول:


والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا     فأنزلن سكينة علينا
إن الألى قد بغوا علينا

زاد في رواية : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار".

رواه البخاري (4104)، ومسلم (1803)، والرواية الثانية عند مسلم (1804) من حديث سهل بن سعد.


(24) ومن باب: التحصين وحفر الخنادق

الأحزاب : جمع حزب ، وهو الجماعة من الناس ، والجملة من الشيء. وتحزب الناس : اجتمعوا . والحزب من القرآن : جملة مجتمعة منه.

ويوم الأحزاب : عبارة عن غزوة الأحزاب ، وهي غزوة الخندق . وكانت في السنة الخامسة من الهجرة في شهر شوال ، وكان سببها : أن نفرا من رؤساء اليهود انطلقوا إلى مكة مؤلبين على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومشجعين عليه ، فجمعوا الجموع ، وحزبوا الأحزاب ، فاجتمعت قريش وقادتها ، وغطفان وقادتها ، وفزارة وقادتها ، وغيرهم من أخلاط الناس. وخرجوا بحدهم وجدهم في عشرة آلاف حتى نزلوا المدينة ، ولما سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بهم شاور أصحابه ، فأشار سلمان بالخندق ، فحفروا الخندق ، وتحصنوا به ، ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج بمن معه من المسلمين في ثلاثة آلاف ، فبرز ، وأقام على الخندق ، وجاءت الأحزاب ، ونزلت من الجانب الآخر ، ولم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل ، غير أن فوارس من قريش اقتحموا الخندق ، فخرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فرسان من المسلمين ، فأخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموا منها ، فقتل علي عمرو بن ود مبارزة ، واقتحم الآخرون [ ص: 644 ] بخيلهم الخندق منهزمين إلى قومهم . ونقضت قريظة ما كان بينها وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ، وعاونوا الأحزاب عليه ، واشتد البلاء على أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ; إذ جاء عدوهم من فوقهم ، ومن أسفل منهم ، فأقام المسلمون على تلك الحال قريبا من شهر إلى أن خذل الله بين قريش وبين بني قريظة على يدي نعيم بن مسعود الأشجعي ، فاختلفوا ، وأرسل الله عليهم ريحا عاصفة في ليال شديدة البرد ، فجعلت تقلب آنيتهم ، وتطفئ نيرانهم ، وتكفأ قدورهم ، حتى أشرفوا على الهلاك. فارتحلوا متفرقين في كل وجه ، لا يلوي أحد على أحد . وكفى الله المؤمنين القتال . ثم إن رسول الله خرج إلى بني قريظة ، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ ، كما تقدم .

وقوله : (

فأنزلن سكينة علينا

) ; السكينة : السكون ، والثبات ، والطمأنينة .

وقوله : ( إن الأولى ) ; كذا صحت الرواية الأولى بالقصر ، فيحتمل أن يريد به مؤنث الأول ، ويكون معناه : إن الجماعة السابقة بالشر بغوا علينا . ويحتمل أن تكون (الألى) هي الموصولة بمعنى الذين ، كما قال:


ويأشبني فيها الألى لا يلونها     ولو علموا لم يأشبوني بباطل

[ ص: 645 ] وقال ابن دريد :


إن الألى فارقت عن غير قلى     ما زاغ قلبي عنهم ولا هفا

ويكون خبر (إن) محذوفا ، تقديره : إن الذين بغوا علينا ظالمون . وقيل : إن هذا تصحيف من بعض الرواة ، وإن صوابه : (أولاء) ممدود ، التي لإشارة الجماعة . وهذا صحيح من جهة المعنى والوزن . والله تعالى أعلم .

وغير خاف ما في هذا الحديث من الفقه ; من جواز التحصن ، والاحتراز من المكروهات ، والأخذ بالحزم ، والعمل في العادات بمقتضاها ، وأن ذلك كله غير قادح في التوكل ، ولا منقص منه ، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- على كمال المعرفة بالله تعالى ، والتوكل عليه ، والتسليم لأمره ، ومع ذلك فلم يطرح الأسباب ، ولا مقتضى العادات على ما يراه جهال المتزهدين أهل الدعاوى الممخرقين .

وقد يستدل بإنشاد النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه هذه الأسجاع وأشباهها أهل المجون والبدع من المتصوفة على إباحة ما أحدثوه من السماع المشتمل على مناكر لا يرضى بها أهل المروءات -فكيف بأهل الديانات؟!- كالطارات ، والشبابات ، واجتماع المغاني وأهل الفساد والشبان ، والغناء بالألحان ، والرقص بالأكمام ، وضرب الأقدام ، كما يفعله الفسقة المجان . ومجموع ذلك يعلم فساده وكونه معصية من ضرورة الأديان ، فلا يحتاج في إبطاله إلى إقامة دليل ولا برهان . وقد كتبنا في ذلك جزءا حسنا سميناه : "كشف القناع عن حكم مسائل الوجد والسماع".

التالي السابق


الخدمات العلمية