المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
221 (51) باب

ما جاء في نزول عيسى ابن مريم وما ينزل به

[ 122 ] عن أبي هريرة ; قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : والله ! لينزلن ابن مريم حكما عادلا ، فليكسرن الصليب ، وليقتلن الخنزير ، وليضعن الجزية ، ولتتركن القلاص ، فلا يسعى عليها ، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد ، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد .

رواه أحمد ( 2 \ 494 ) ، والبخاري ( 3448 ) ، ومسلم ( 155 ) ، وأبو داود ( 4324 ) ، والترمذي ( 2234 ) .


[ ص: 370 ] (51) ومن باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام

(قوله : " لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا ") وفي رواية : " عادلا " مفسرا . يقال : أقسط الرجل يقسط ; أي : عدل ، ومنه قوله تعالى : وأقسطوا إن الله يحب المقسطين [ الحجرات : 9 ] وقسط يقسط قسوطا وقسطا ; أي : جار ، ومنه قوله تعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا [ الجن : 15 ] وقتل عيسى للخنزير وكسره الصليب يدل على أن شيئا من ذلك لم يسوغه لهم ، وأن ذلك لا يقر إذا تمكن من تغييره وإزالته . وقيل معنى قوله : " ويكسر الصليب " ; أي : يبطل أمره ويكسر حكمه ، كما يقال : كسر حجته .

و (قوله : " وليضعن الجزية ") قيل : يسقطها فلا يقبلها من أحد ، وذلك لكثرة الأموال ; إذ تقيء الأرض أفلاذ كبدها ، فلا يكون في أخذها منفعة للمسلمين ، فلا يقبل من أحد إلا الإيمان . وقيل : يضربها على كل صنف من الكفار ; إذ قد أذعن الكل له فإما بالإسلام ، وإما بأن ألقوا بأيديهم . والتأويل الأول أولى ; لقوله بعد هذا : " ولتتركن القلاص ، فلا يسعى عليها " ; أي : لا تطلب زكاتها ، كما جاء في الحديث الآخر . و " القلاص " : جمع قلوص ، وهي من الإبل كالفتاة من النساء والحدث من الرجال . وهذا كقوله تعالى : وإذا العشار عطلت [ التكوير : 4 ] ; أي : زهد فيها وتركت ، وإن كانت أحب الأموال إليهم الآن .

والشحناء والتباغض والعداوة بمعنى واحد . والتحاسد : الحسد ، وهو أن [ ص: 371 ] يتمنى زوال نعمة الله عن المسلم . والغبطة : أن تتمنى أن يكون لك مثلها من غير أن تزول عنه ، وهو التنافس أيضا .

و (قوله : " حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ") معناه : أن الصلاة تكون أفضل من الصدقة ; لفيض المال إذ ذاك ، لعدم الانتفاع به . وأهل الحجاز يسمون الركعة سجدة .

التالي السابق


الخدمات العلمية