المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3491 (41) باب

في قوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام الآية

[ 1354 ] عن النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام، إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام. وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم. فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت الجمعة دخلت واستفتيته فيما اختلفتم فيه، فأنزل الله عز وجل: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام الآية إلى آخرها [التوبة: 19].

رواه مسلم (1879).


[ ص: 720 ] (41) ومن باب: قوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر [التوبة : 19]

( السقاية ) : مصدر كالسعاية والحماية ، وهو على الحذف ; أي : أجعلتم صاحب سقاية الحاج مثل من آمن بالله ، وجاهد في سبيله ; ويصح أن يقدر الحذف في : (من آمن) ; أي : أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل من آمن؟ . و ( الحاج ) : اسم جنس الحجاج . و ( عمارة المسجد الحرام ) : معاهدته ، والقيام بمصالحه .

وظاهر هذه الآية أنها مبطلة قول من افتخر من المشركين بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ، كما ذكره السدي . قال : افتخر عباس بالسقاية ، وشيبة بالعمارة ، وعلي بالإسلام والجهاد ، فصدق الله عليا وكذبهما ، وهذا واضح . وأما حديث النعمان هذا فمشكل على مساق الآية ، فإنه يقتضي أنها إنما نزلت عند اختلاف المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال ، وحينئذ لا يصلح أن يكون قوله تعالى : أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله [التوبة: 19] ; نزل جوابا لذلك ، فإن أولئك [ ص: 721 ] المسلمين لم يختلفوا في أن الإيمان مع الجهاد أفضل من مجرد السقاية والعمارة ، وإنما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام ، وقد نصوا على ذلك في الحديث . وأيضا : فلا يليق أن يقال لهم في هذا الذي اختلفوا فيه : والله لا يهدي القوم الظالمين كما قال في آخر الآية . وأيضا : فإن الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله [التوبة: 17 - 18] تدل على أن الخطاب مع المشركين ، فتعين الإشكال ، فلينظر في التخلص منه . ويمكن أن يتخلص منه بأن يقال : إن بعض الرواة تسامح في قوله : فأنزل الله الآية . وإنما قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- على عمر الآية حين سأله ، فظن الراوي أنها نزلت حينئذ ، وإنما استدل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن الجهاد أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عمر ، فاستفتى لهم ، فتلا عليه ما كان قد أنزل عليه في المشركين ، لا أنها نزلت في هؤلاء . فيبقى أن يقال : فكيف يستدل بما أنزل في المشركين في حالة مخصوصة على مثل ذلك المعنى في المسلمين ، وهم مخالفون لهم في تلك الحال ؟

والجواب : أن هذا لا بعد فيه. فقد تنتزع مما أنزل في المشركين أحكام تليق في المسلمين ، كما قد فعله عمر ، حيث قال : أما إنا لو شئنا لاتخذنا سلائق وشواء وتوضع صحفة ، وترفع أخرى ، ولكنا سمعنا قوله تعالى : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها [الأحقاف: 20] وهذه الآية نص في أنها للكفار ، ومع ذلك ففهم عمر منها الزجر عما يناسب أحوالهم بعض المناسبة ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ، فيمكن أن تكون هذه الآية من هذا النوع ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية