المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3550 (54) باب

في قوله -عليه الصلاة والسلام - : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)

[ 1387 ] عن ثوبان قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" .

رواه مسلم (1920)، وأبو داود (4252)، والترمذي (2177).

[ 1388 ] وعن جابر بن سمرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لن يبرح هذا الدين قائما تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة" .

رواه أحمد (5 \ 103 )، ومسلم (1922).

[ 1389 ] وعن عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: كنت عند مسلمة بن مخلد ، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقال عبد الله: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وهم شر من أهل الجاهلية، لا يدعون الله بشيء إلا رده عليهم، فبينما هم على ذلك، أقبل عقبة بن عامر فقال له مسلمة: يا عقبة، اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله ، قاهرين لعدوهم ، ولا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك". فقال عبد الله: أجل، ثم يبعث الله ريحا كريح المسك مسها كمس الحرير، لا تترك نفسا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة .

رواه مسلم (1924).

[ 1390 ] وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" .

رواه مسلم (1925).


(54) ومن باب: قوله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين)

قوله : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ) ; الطائفة : الجماعة ، وهم [ ص: 762 ] العصابة في الحديث الآخر ، وهم الذين قال الله تعالى في حقهم : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف: 181]

والطائفة في الأصل هي : القطعة من الشيء . يقال : طائفة من كذا ; أي : قطعة منه . وهي من الناس : الجماعة . قال مجاهد : هم من الواحد إلى الألف . وكذلك قال النخعي . وقال عطاء : أقله رجلان فصاعدا . وقال الزهري : ثلاثة فصاعدا . والطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة ، وكأنها الجماعة الحافة حول الشيء ، أقلها ثلاثة أو أربعة .

و ( ظاهرين ) : منصورين غالبين ، كما قال في الحديث الآخر : ( يقاتلون على أمر الله ، قاهرين لعدوهم ، لا يضرهم من خذلهم ) ; أي : من لم ينصرهم من الخلق .

و ( أمر الله ) : الساعة كما قد جاء مفسرا في الرواية الأخرى .

[ ص: 763 ] وقد اختلف في : من هذه الطائفة ؟ وأين هم ؟ فقال علي بن المديني : هم العرب ، واستدل برواية من روى : (وهم أهل الغرب) ، وفسر (الغرب) بالدلو العظيمة . وقيل : أراد بالغرب : أهل القوة ، والشدة ، والحد . وغرب كل شيء حده . وقيل : أراد به : غرب الأرض . وهو ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص .

وقال فيه : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق في المغرب حتى تقوم الساعة) ، ورواه عبد بن حميد ، وقال فيه : (لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ، أو يأتي أمر الله) . ورواه بقي بن مخلد في "مسنده" كذلك : (لا يزال أهل المغرب) كذلك.

قلت : وهذه الروايات تدل على بطلان التأويلات المتقدمة ، وعلى أن المراد به أهل المغرب في الأرض ، لكن أول المغرب بالنسبة إلى المدينة - مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم - ; إنما هو الشام ، وآخره : حيث تنقطع الأرض من المغرب الأقصى وما بينهما ، كل ذلك يقال عليه : مغرب . فهل أراد المغرب كله ، أو أوله ؟ كل ذلك [ ص: 764 ] محتمل ، لا جرم قال معاذ في الحديث الآخر : (هم أهل الشام ) . ورواه الطبري وقال : (هم ببيت المقدس ) . وقال أبو بكر الطرطوشي في رسالة بعث بها إلى أقصى المغرب ، بعد أن أورد حديثا في هذا المعنى ; قال- والله تعالى أعلم- : هل أرادكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أراد بذلك جملة أهل المغرب ; لما هم عليه من التمسك بالسنة والجماعة ، وطهارتهم من البدع والإحداث في الدين ، والاقتفاء لآثار من مضى من السلف الصالح ؟ والله تعالى أعلم .

قلت : وفي هذا الحديث دلالة على صحة الإجماع ; لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخلت فيهم هذه العصابة المختصة ، فكل الأمة محق فإجماعهم حق . ويفيد هذا المعنى أيضا قوله تعالى : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون [الأعراف: 181].

ولا تعارض بين هذا الحديث وبين قوله -صلى الله عليه وسلم- : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق) ، وبين قوله : (لا تقوم الساعة وفي الأرض من يقول : الله ، الله) ; لما يأتي في حديث عقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو ، فإنه -صلى الله عليه وسلم- بين ذلك فيه بيانا شافيا ، فتأمله ، فلا مزيد عليه .

التالي السابق


الخدمات العلمية