المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3421 (8) باب

إنما الطاعة ما لم يأمر بمعصية

[ 1417 ] عن يحيى بن حصين قال: سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع، وهو يقول: " ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا".

رواه أحمد (4 \ 69 )، ومسلم (1838) (37)، والنسائي ( 7 \ 154 ). [ 1418 ] وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".

رواه البخاري (7144)، ومسلم (1839)، وأبو داود (2626)، والترمذي (1707)، والنسائي ( 7 \ 160 )، وابن ماجه (2864).
(8) ومن باب: إنما تجب طاعة الإمام ما لم يأمر بمعصية

قوله: " على المرء المسلم السمع والطاعة " ظاهر في وجوب السمع والطاعة للأئمة والأمراء والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لم يأمر بمعصية، فإن أمر [ ص: 39 ] بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولا واحدا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرا وجب خلعه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين كإقام الصلاة وصوم رمضان وإقامة الحدود ومنع من ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر والزنا ولم يمنع منها لا يختلف في وجوب خلعه، فأما لو ابتدع بدعة ودعا الناس إليها فالجمهور على أنه يخلع.

وذهب البصريون إلى أنه لا يخلع تمسكا بقوله عليه الصلاة والسلام: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان"، وهذا يدل على استدامة ولاية المتأول وإن كان مبتدعا، فأما لو أمر بمعصية مثل أخذ مال بغير حق أو قتل أو ضرب بغير حق فلا يطاع في ذلك ولا ينفذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور وأخذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما ولا ماله بأولى من دم الآخر ولا ماله، وكلاهما يحرم شرعا؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما لا للآمر ولا للمأمور؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " كما ذكره الطبري ، ولقوله هنا: " فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".

فأما قوله في حديث حذيفة " اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك " فهذا أمر للمفعول به ذلك للاستسلام والانقياد، وترك الخروج عليه مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك.

ويحتمل أن يكون ذلك خطابا لمن يفعل به ذلك بتأويل يسوغ للأمير بوجه يظهر له ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث ويصح الجمع، والله تعالى أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية