المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3429 (10) باب

الأمر بالوفاء ببيعة الأول ويضرب عنق الآخر

[ 1422 ] عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء؛ كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر. قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم.

رواه البخاري (3455)، ومسلم (1842).
[ ص: 47 ] (10) ومن باب: الوفاء ببيعة الأول وضرب عنق الآخر

.... قوله: " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء عليهم السلام، كلما هلك نبي خلفه نبي "، إسرائيل هو يعقوب عليه السلام، وبنوه أولاده وهم الأسباط ، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل ، قال ابن عباس : " إسرا " هو عبد، و " إيل " هو الله تعالى، فمعناه: عبد الله - وفيه لغات، وقيل: هو عبري، اسم واحد بمعنى يعقوب .

ويعني بهذا الكلام أن بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم فساد أو تحريف في أحكام التوراة بعد موسى بعث الله تعالى لهم نبيا يقيم لهم أمرهم ويصلح لهم حالهم، ويزيل ما غير وبدل من التوراة وأحكامها، فلم يزل أمرهم كذلك إلى أن قتلوا يحيى وزكريا عليهما السلام، فقطع الله تعالى ملكهم وبدد شملهم ببختنصر وغيره، ثم جاءهم عيسى ثم محمد صلى الله عليهما وسلم فكذبوهما، فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين [البقرة: 90]؛ وهو في الدنيا ضرب الجزية ولزوم الصغار والذلة، ولعذاب الآخرة أشق.

ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء بعثا، وكتابه لا يقبل التغيير أسلوبا ونظما، وقد تولى الله تعالى كلامه صيانة وحفظا، وجعل علماء أمته قائمين ببيان مشكله وحفظ حروفه وإقامة أحكامه وحدوده، كما قال صلى الله عليه وسلم: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل [ ص: 48 ] الجاهلين "، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل "، ولما كان أمر هذه الأمة كذلك اكتفى بعلمائها عما كان من توالي الأنبياء هنالك.

وقوله: " وإنه لا نبي بعدي "، هذا النفي عام في الأنبياء والرسل؛ لأن الرسول نبي وزيادة، وقد جاء نصا في كتاب الترمذي قوله: " لا نبي بعدي ولا رسول "، وقد قال الله تعالى: ولكن رسول الله وخاتم النبيين [الأحزاب: 40]. ومن أسمائه في الكتب القديمة وفيما أطلقته هذه الأمة: خاتم الأنبياء . ومما سمى به نفسه: العاقب ، والمقفي ؛ فالعاقب : الذي يعقب الأنبياء، والمقفي : الذي يقفوهم؛ أي: يكون بعدهم.

وعلى الجملة: هو أمر مجمع عليه معلوم من دين هذه الأمة، فمن ادعى أن بعده نبي أو رسول فإن كان مسرا لذلك واطلع عليه بالشهادة المعتبرة قتل قتلة زنديق، فإن صرح بذلك فهو مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل قتلة مرتد فيسبى ماله.

وقوله: " وستكون خلفاء فتكثر "، هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن غيب وقع على نحو ما أخبر به ووجد كذلك في غير ما وقت؛ فمن ذلك مبايعة الناس لابن الزبير [ ص: 49 ] بمكة ولمروان بالشام ولبني العباس بالعراق ولبني مروان بالأندلس ولبني عبيد بمصر ، ثم لبني عبد المؤمن بالمغرب .

وقوله: " فوا ببيعة الأول فالأول " دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول، وسكت في هذا الحديث عما يحكم به على الآخر، وقد نص عليه في الحديث الآتي حيث قال: " فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر "، وفي رواية: " فاضربوه بالسيف كائنا من كان "، وهذا الحكم مجمع عليه عند تقارب الأقطار وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضبطها، فأما لو تباعدت الأقطار وخيف ضيعة البعيد من المسلمين ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بعد عنه فقد ذكر بعض الأصوليين أنهم يقيمون لأنفسهم واليا يدبرهم ويستقل بأمورهم، وقد ذكر أن ذلك مذهب الشافعي في الأم.

قلت: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنهم يخلعون الإمام المتقدم حكما ويولون هذا بنفسه مستقلا، هذا ما لا يوجد نصا عن أحد ممن يعتبر قوله. والذي يمكن أن يفعل مثل هذا إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يقيموا لأنفسهم من يدبرهم ممن يعترف للإمام بالسمع والطاعة، فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام فالأمر له في إبقاء ذلك أو عزله.

ثم للإمام أن يفوض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام، ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأمور كلها لتعذر المراجعة عليهم، كما قد اتفق لأهل الأندلس وأقصى بلاد العجم.

فأما لو عقدت البيعة لإمامين معا في وقت واحد في بلدين متقاربين [ ص: 50 ] فالإمامة لأرجحهما، وهل قرابة أحدهما من الإمام المتوفى موجبة للرجحان أم لا؟ اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: يقدم الأقعد فالأقعد به كولاية النكاح. ومنهم من لم يعتبر ذلك وفرق بين الولايتين، والفرق واضح، فأما لو تساويا من كل وجه فيقرع بينهما. والفرض في اثنين كل واحد منهما كامل أهلية الولاية باجتماع الشروط المعتبرة المنصوص عليها في كتب أئمتنا المتكلمين.

وقوله: " أعطوهم حقهم " يعني به السمع والطاعة والذب عرضا ونفسا والاحترام، والنصرة له على من بغى عليه.

التالي السابق


الخدمات العلمية