المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2572 (13) باب

الهدية للعروس في حال خلوته

[ 1485 ] عن أنس بن مالك قال: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل بأهله قال: فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور فقالت: يا أنس، اذهب بهذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله. قال: فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن أمي تقرئك السلام وتقول: إن هذا لك منا قليل فقال: " ضعه" ثم قال: "اذهب فادع لي فلانا وفلانا"، ومن لقيت - وسمى رجالا - قال: فدعوت من سمى ومن لقيت. قال: قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة وقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أنس، هات التور" قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه قال: فأكلوا حتى شبعوا قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي: "يا أنس، ارفع" قال: فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر نحوا مما تقدم.

وفي رواية قال: وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام، فدعا فيه وقال ما شاء الله أن يقول، ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته، فأكلوا حتى شبعوا.
وذكر نحوه.

رواه أحمد ( 1 \ 181 )، ومسلم (1428) (94) و (95)، والنسائي ( 6 \ 136 ).
[ ص: 150 ] (13) ومن باب الهدية للعروس

(قوله: فدخل بأهله ) يعني بالأهل: زينب ؛ كما نبه البخاري وغيره عليه. و ( التور ): آنية من حجارة كالقدح.

وفيه أبواب من الفقه؛ منها: إدخال السرور على العروس بالإهداء إليه، والقيام عنه ببعض الكلف؛ لكونه مشتغلا بغيرها. وهو نحو مما يستحب من الإهداء لأهل الميت.

وفيه: تعيين مرسل الهدية، والاعتذار عن القليل، وإبلاغ السلام، واستدعاء المعين وغير المعين، وبالواسطة المفوض إليه في ذلك. وقد قال بعض علمائنا: إنه إذا لم يتعين المدعو لم تجب عليه إجابة.

وفيه: ما ظهر من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بركاته.

و (قوله: زهاء ثلاثمائة ) أي: مقدارها. و ( الصفة ): السقيفة. و ( الحجرة ): [ ص: 151 ] الدار التي كانت لسكناه. وسميت حجرة؛ لأنها محجورة؛ أي: محاط بها.

وفيه من آداب الأكل: بيان أكثر ما يجتمع على القصعة، وهم عشرة. وبيان الأكل مما يلي الآكل؛ إذا كان الطعام نوعا واحدا.

و (قوله: وجلس منهم طوائف يتحدثون ...) إلى آخر ما ذكر في الرواية التي قبل هذه؛ هذا يدل على أن القصة في الروايتين واحدة، غير أنه ذكر في الأولى: أنه أولم بشاة، وأنه أطعمهم خبزا ولحما حتى شبعوا، ولم يذكر فيها آيته في تكثير الطعام، وذكر في هذه الرواية: أنه أشبعهم من الحيس الذي بعثت به أم سليم في التور، وفيه كانت الآية. فقال القاضي عياض : هو وهم من بعض الرواة، وتركيب قصة على أخرى.

قلت: وأولى من هذا أن يقال: إن القضية واحدة، وليس فيها وهم؛ فإنه [ ص: 152 ] يمكن أن يقال: اجتمع في تلك الوليمة الأمران، فأكل قوم الخبز واللحم حتى شبعوا وانصرفوا. ثم إنه لما جاءه الحيس استدعى الناس وجرى ما ذكر. وهذا كله والمتحدثون في بيته جلوس لم يبرحوا إلى أن خرج النبي صلى الله عليه وسلم ودار على بيوت أزواجه على ما تقدم. وليس في تقدير هذا بعد، ولا تناقض. وإذا أمكن هذا حملناه عليه، وكان أولى من تطريق الوهم للثقات والأثبات، من غير ضرورة تدعو إليه، ولا أمر بين يدل عليه. والله تعالى أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية