المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2599 (17) باب

في العزل عن المرأة

[ 1495 ] عن أبي سعيد الخدري قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة بلمصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة، ورغبنا في الفداء، فأردنا أن نستمتع، ونعزل فقلنا: نفعل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا لا نسأله؟ فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " لا عليكم ألا تفعلوا، ما كتب الله خلق نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة، إلا ستكون".

وفي رواية: "لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر". قال محمد بن المثنى: "لا عليكم". أقرب إلى النهي.

رواه أحمد ( 3 \ 68 )، والبخاري (2542)، ومسلم (1438) (125)، وأبو داود (2172).
(17) ومن باب العزل

(قوله: بلمصطلق ) أي: بنو المصطلق ، كما قالوا: بلعنبر. قال أبو عمر : بنو المصطلق : قوم من خزاعة ، كانت الوقعة بهم في موضع يقال له: المريسيع من نحو قديد، في سنة ست من الهجرة. وتعرف هذه الغزوة ب (غزوة بني المصطلق) وب (غزوة المريسيع). قال: وقد روى هذا الحديث موسى بن عقبة ، عن ابن محيريز ، عن أبي سعيد ، قال: (أصبنا سبيا من سبي أوطاس ). قال: وهو سبي هوازن . وكان ذلك يوم حنين في سنة ثمان من الهجرة. قال: فوهم ابن عقبة في ذلك والله تعالى أعلم. قال: وقد رواه أبو إسحاق السبيعي ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل. فقال: (ليس من كل الماء يكون الولد...) الحديث.

قلت: الذي ذكره مسلم في كتابه عن علي بن أبي طلحة ، عن أبي الوداك ، عن أبي سعيد في هذا الحديث: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل فقال: (ليس من كل [ ص: 164 ] الماء يكون الولد). ولم يذكر فيه سبي حنين، ولا غيره. وكذلك ما ذكره أبو عمر من رواية ابن عقبة عن ابن محيريز ذكره مسلم أيضا، ولم يذكر فيه: (من سبي أوطاس) ولا غيره. وإنما ذكر مسلم (يوم أوطاس) في حديث أبي علقمة الهاشمي ، عن أبي سعيد في قضية تحرج أصحابه من وطء المسبيات، من أجل أزواجهن على ما يأتي، وهي قصة أخرى، في زمان آخر غير زمان بني المصطلق .

والصحيح في الحديث الأول رواية من رواه: ( بني المصطلق ) والله تعالى أعلم.

و (قوله: فسبينا كرائم العرب ) أي: كبراءهم، وخيارهم. جمع كريمة. وبنو المصطلق وثنيون بلا شك.

و (قوله: فطالت علينا العزبة ) أي: لتعذر النكاح عليهم عند تعذر أسبابه، لا لطول إقامتهم في تلك الغزوة، فإن غيبتهم فيها عن المدينة لم تكن طويلة.

و (قوله: ورغبنا في الفداء ) أي: في أخذ المال عوضا عنهن. يقال: (فدى أسيره): إذا دفع فيه مالا وأخذه. و (فاداه): إذا دفع فيه رجلا؛ على ما حكاه أبو عمر .

وظاهر هذا: جواز إقدامهم على وطء المسبيات الوثنيات من غير أن يسلمن. وإنما توقفوا في وطئهن مخافة أن يحملن منهم. فيتعذر فداؤهن؛ لأجل حملهن؛ فسألوا: هل يجوز لهم العزل؟ فأجيبوا في العزل. وسكت لهم عن وطئهن في حال شركهن.

وبهذا الظاهر اغتر قوم فقالوا بجواز وطء الوثنيات، والمجوسيات بالملك ، وإن لم يسلمن. وإليه ذهب طاوس وسعيد بن المسيب . واختلف في ذلك عن عطاء ، ومجاهد .

ويرد هذا القول قوله تعالى: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن [البقرة: 221] وإلى التمسك بعموم هذه الآية صار جمهور العلماء. ولم يعولوا على ما ظهر من هذا الحديث، ورأوا أن ذلك محمول على جواز وطء من أسلم [ ص: 165 ] منهن، وأن الفداء المتخوف من فوته بوطئهن إنما هو أثمانهن.

وقد دل على صحة هذا التأويل نص ما جاء في رواية الزهري عن ابن محيريز ، عن أبي سعيد قال: (جاء رجل من الأنصار ، فقال: يا رسول الله ! إنا نصيب سبيا، ونحب الأثمان، فكيف بالعزل؟) ووجه تخوفهم من فوات الثمن بالوطء: أنهن إذا حملن؛ لم يصح لهم بيعهن لكونهن حوامل من ساداتهن. وأما بعد انفصال حملهن؛ فلكونهن أمهات أولاد، على ما صار إليه الجمهور، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

ثم إنا نقول: لو سلمنا أن ظاهر ذلك الحديث جواز الإقدام على وطء المسبيات من غير إسلام، لزم منه جواز الإقدام على وطئهن من غير استبراء، ومع وجود الحمل البين، وهو ممنوع اتفاقا، فيلزم المنع من الوطء؛ لاستوائهما في الظهور.

وأيضا: فكما نعلم قطعا أنهم كانوا لا يقدمون على وطء فرج لا تتحقق حليته، فكذلك نعلم: أنهم لا بد لهم من استبراء وإسلام. وإن كان الراوي قد سكت عنه. وسكوت الراوي؛ إما للعلم بها. وإما لأن الكلام يجمل في غير مقصود، ويفصل في مقصوده.

والذي يزيح الإشكال ويرفعه جملة واحدة ما رواه عبد الرزاق بإسناده عن الحسن قال: (كنا نغزو مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد أحدهم أن يصيب الجارية من الفيء أمرها فغسلت ثيابها، واغتسلت، ثم علمها الإسلام، وأمرها بالصلاة، واستبرأها بحيضة، ثم أصابها).

وكذلك روى عبد الرزاق أيضا عن سفيان الثوري : أنه قال: (السنة ألا يقع أحد على مشركة حتى تصلي ويستبرئها، وتغتسل).

وهذه أدلة تدل على صحة ما اخترناه، والموفق الإله.

و (قوله: فأردنا أن نستمتع ونعزل ) وفي الرواية الأخرى: ( فكنا نعزل ) [ ص: 166 ] يعني: أن منهم من وقع سؤاله قبل أن يعزل، ومنهم من وقع سؤاله بعد أن عزل. ويحتمل أن يكون معنى: ( كنا نعزل ) أي: عزمنا على ذلك. فيرجع معناها إلى الأولى.

و (قوله: وقد سئل عن العزل: " لا عليكم ألا تفعلوا " ). العزل: هو أن ينحي الرجل ماءه عند الجماع عن الرحم، فيلقيه خارجه. والذي حركهم للسؤال عنه: أنهم خافوا أن يكون محرما؛ لأنه قطع للنسل، ولذلك أطلق عليه: الوأد الخفي.

واختلف في قوله: ( لا عليكم ألا تفعلوا ) ففهمت طائفة منه: النهي والزجر عن العزل؛ كما حكي عن الحسن ، ومحمد بن المثنى . وكأن هؤلاء فهموا من (لا) النهي عما سئل عنه، وحذف بعد قوله: (لا) فكأنه قال: لا تعزلوا، وعليكم ألا تفعلوا. تأكيدا لذلك النهي. وفهمت طائفة أخرى منها الإباحة، وكأنها جعلت جواب السؤال قوله: ( لا عليكم ألا تفعلوا ) أي: ليس عليكم جناح في أن لا تفعلوا.

وهذا التأويل أولى بدليل قوله: ( ما من نسمة كائنة إلا ستكون ) وبقوله: ( لا عليكم ألا تفعلوا، فإنما هو القدر ) وبقوله: ( إذا أراد الله خلق الشيء لم يمنعه شيء ) وهذه الألفاظ كلها مصرحة بأن العزل لا يرد القدر، ولا يضره. فكأنه قال: لا بأس به. وبهذا تمسك من رأى إباحة العزل مطلقا عن الزوجة والسرية، وبه قال كثير من الصحابة، والتابعين، والفقهاء. وقد كرهه آخرون من الصحابة وغيرهم [ ص: 167 ] متمسكين بالطريقة المتقدمة. وبقوله صلى الله عليه وسلم: (ذلك الوأد الخفي).

قلت: وتشبيه العزل بالوأد المحرم يقتضي أن يكون محرما. ووجه التشبيه بينهما: أنهم كانوا في الجاهلية يدفنون البنات أحياء، يقتلونهن بذلك؛ خشية المعرة، ومنهم من كان يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر. كما هو ظاهر قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31] والإملاق: الفقر؛ على أنه قد قيل: إن الأولاد هنا هم البنات. فإذا الوأد: رفع الموجود والنسل. والعزل: منع أصل النسل. فتشابها، إلا أن قتل النفس أعظم وزرا، وأقبح فعلا؛ ولذلك قال بعض علمائنا: إنه يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم في العزل: (إنه الوأد الخفي): الكراهة، لا التحريم.

وذهب مالك والشافعي : إلى أن العزل عن الحرة لا يجوز إلا بإذنها. وكأنهم رأوا: أن الإنزال من تمام لذتها، ومن حقها في الولد، ولم يريا ذلك في الموطوءة بالملك، فله أن يعزل عنها بغير إذنها؛ إذ لا حق لها في شيء مما ذكر.

قلت: ويمكن على هذا المذهب الثالث أن يجمع بين الأحاديث المتعارضة في ذلك. فتصير الأحاديث التي يفهم منها المنع: إلى الزوجة الحرة، إذا لم تأذن، والتي يفهم منها الإباحة إلى الأمة والزوجة، إذا أذنت. فيصح الجميع، ويرتفع التعارض، والله تعالى أعلم.

التالي السابق


الخدمات العلمية