المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2732 (11) باب

في الإحداد على الميت في العدة

[ 1558 ] عن حميد بن نافع، أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قال: قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة - خلوق أو غيره -، فدهنت منه جارية، ثم مست بعارضيها، ثم قالت: والله ما لي بالطيب حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا.

قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش، حين توفي أخوها فدعت بطيب، فمست منه، ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا.

قالت زينب: سمعت أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا (مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: لا) ثم قال: إنما
هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول. قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير، فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره.


رواه أحمد (6 \ 324 و 325)، والبخاري (5334 - 5336)، ومسلم (1486 - 1489)، وأبو داود (2299)، والترمذي (1195 - 1197)، والنسائي ( 6 \ 202 ). [ 1559 ] وعن أم سلمة أن امرأة توفي زوجها، فخافوا على عينها، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذنوه في الكحل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كانت إحداكن تكون في شر بيتها في أحلاسها (أو في شر أحلاسها في بيتها) حولا، فإذا مر كلب رمت ببعرة، فخرجت، أفلا أربعة أشهر وعشرا.

رواه البخاري (5336)، ومسلم (1488) (61).
(11) ومن باب: الإحداد على الميت

( الخلوق ) - بفتح الخاء المنقوطة -: أنواع من الطيب تخلط بالزعفران. [ ص: 283 ] وهو: العبير أيضا. وأصل العوارض: الأسنان. وسميت الخدود: عوارض لأنها عليها، من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. والعارضان هاهنا هما: الخدان. والإحداد: مصدر: أحدت المرأة على زوجها فهي محد: إذا امتنعت من الزينة. ويقال: حدت فهي حاد. وكل ما يصاغ من (ح. د) كيفما تصرف فهو راجع إلى معنى المنع.

و (قوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث ) فاعل (لا يحل) المصدر الذي يمكن صياغته من (تحد) مع (أن) المرادة. فكأنه قال: الإحداد.

ووصف المرأة بالإيمان يدل على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفى عنها زوجها المسلم: أنها لا إحداد عليها. وبه قال أبو حنيفة ، والكوفيون، وابن كنانة ، وابن نافع ، وأشهب من أصحابنا. وقال الشافعي وعامة أصحابنا: عليها الإحداد.

و ( قوله: فوق ثلاث) يعني به: الليالي، ولذلك أنث العدد.

ويستفاد منه: أن المرأة إذا مات حميمها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ [ ص: 284 ] بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمها في بقية يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة.

و (قوله: إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ) ( أربعة ) منصوب على الظرف، والعامل فيه ( تحد ) و ( عشرا ) معطوف عليه.

وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن، المتوفى عنهن أزواجهن. فيدخل فيه الحرائر، والإماء، والكبار، والصغار. وهو مذهب الجمهور.

وذهب أبو حنيفة : إلى أنه لا إحداد على أمة، ولا صغيرة. والحديث حجة عليه. ولا خلاف أعلمه: أنهما لا بد لهما من العدة.

فبالطريق التي تلزمهما به العدة يلزمهما الإحداد.

و ( إلا على زوج ) إيجاب بعد نفي. فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. فلا إحداد على مطلقة عندنا، رجعية كانت أو بائنة واحدة، أو أكثر. وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وربيعة ، وعطاء ، وابن المنذر .

وقال قوم: إن المطلقة ثلاثا عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة ، والكوفيون، وأبو ثور ، وأبو عبيد . وقال الشافعي ، وأحمد ، وإسحاق : الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قول يدل على إبطاله نص الحديث المتقدم.

وأما من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده: إلحاقها بالمتوفى عنها زوجها. وليس بصحيح؛ وللحصر الذي في الحديث، لوجود الفرق بينهما. [ ص: 285 ] وذلك: أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها، لعدم الزوج؛ إذ ليس من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها، بخلاف المطلق؛ فإنه حي، متمكن من البحث عن أحوالها، فافترقا. هذا إن قلنا: إن الإحداد معقول المعنى. فإن قلنا: إنه تعبد؛ انقطع الإلحاق القياسي. ولو سلم صحة الإلحاق القياسي؛ لكان التمسك بظاهر اللفظ أولى. وقد بينا: أنه يدل على الحصر، والله تعالى أعلم.

وإنما خص الله تعالى عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدة؛ لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين، ثم تصير علقة أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر. وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

وأنث عشرا؛ لأنه أراد به مدة العشر. قاله المبرد . وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها. وإلى هذا ذهب كافة العلماء. فقالوا: إنها عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعي : إنما أنث العشر؛ لأنه أراد الليالي. فعلى قول الجمهور: تحل باليوم العاشر بآخره. وعلى قول الأوزاعي : تحل بانقضاء الليلة العاشرة. وقد احتج قوم بقوله: أربعة أشهر وعشرا: على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملا لم يلزم فيه الإحداد. وقال أصحابنا: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرا إلى المعنى؛ إذ كل ذلك عدة من وفاة، وإنما خص ذلك العدد بالذكر؛ لأن الحيل من النساء أغلب، وهن الأصل، والحمل طارئ. والله تعالى أعلم.

ومنعه صلى الله عليه وسلم الكحل للمرأة التي تخوف على عينها يدل: على التشديد في منع المحد من الاكتحال بما فيه زينة، أو طيب إذا وجدت منه بدا، إثمدا كان أو [ ص: 286 ] غيره. وهو مذهب الجمهور.

فأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا؛ فمنهم من قال: تجعله بالليل، وتمسحه بالنهار. وبه قال الكوفيون، والنخعي ، وعطاء ، والشافعي ، أخذا بما في "الموطأ" من حديث أم سلمة ، من قوله: (اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار).

ومنهم من قال: تستعمله ليلا ونهارا، بحسب ضرورتها. وبه قال سالم ، وسليمان بن يسار ، ومالك ، حكاه عنه الباجي وغيره. وتأول هؤلاء قوله في هذا الحديث: ( تخوفوا عليها ): إن هذا الخوف لم يكن محققا، ولو كان الضرر محققا حاصلا بلا بد لأباحه لها؛ لأن المنع إذ ذاك كان يكون حرجا في الدين، وهو مرفوع بقاعدة الشرع.

و (قوله: إنما هي أربعة أشهر وعشر ) إنما تفيد التقليل والحصر. يتمسك بها من يرى: أن الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهر والعشر. وقد تقدم.

و (قوله: قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ) هذا منه صلى الله عليه وسلم إخبار عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع. وحاصله: أنهن كن يقمن في بيوتهن حولا ملازمات لحالة الشعث، والبذاذة، والتفل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس، إلى أن ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة مشعرة بأن أمر العدة المذكورة - وإن كان شديدا - قد هان عليها في حق من مات عنها كرمي البعرة. وقيل: إن معنى ذلك: أنها رمت بالعدة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة. فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت [ ص: 287 ] حولا. وقد دل عليه قوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج [البقرة: 240] وأشهر قول المفسرين فيها، وأحسنه: أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى حولا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر. ونسخت النفقة بالربع، أو الثمن؛ قاله ابن عباس وقتادة ، والضحاك ، وعطاء ، وغيرهم.

وفي هذه الآية مباحث كثيرة لذكرها موضع آخر.

قال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. يعني: أنها منسوخة بقوله تعالى: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا [البقرة: 234]

و ( الحفش ) هنا: الخص الصغير. وهو أيضا الدرج، وجمعه: أحفاش. و ( الأحلاس ): الثياب الخشنة، وأصلها للدواب، وهي: المسوح التي تجعل على ظهورها.

و (قولها: ثم تؤتى بدابة: حمار، أو شاة، أو طير ) سميت هذه كلها دواب؛ لأنها تدب؛ أي: تمشي. وهذه تسمية لغوية أصلية. كما قال الله تعالى: وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها [هود: 6]

و (قوله: فتفتض به، فقل ما تفتض ) الرواية الصحيحة بالفاء والضاد المعجمة. قال القتبي : سألت الحجازي عن الافتضاض، فذكروا: أن المعتدة [ ص: 288 ] كانت لا تغتسل، ولا تمس ماء، ولا تقلم ظفرا، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتض؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش. وقال مالك : تفتض: تمسح به جلدها كالنشرة. وقال ابن وهب : تمسح بيدها عليه، أو على ظهره. وقيل: معناه: تمسح به ثم تفتض؛ أي: تغتسل بالماء العذب حتى تصير كالفضة. وقيل: تفتض: تفارق ما كانت عليه. قال الأزهري : رواه الشافعي : ( فتقبص ) بالقاف، وبالباء بواحدة، وبالصاد المهملة. والقبص: الأخذ بأطراف الأصابع. قال: وقرأ الحسن : فقبضت قبضة من أثر الرسول [طه: 96] ذكره الهروي .

التالي السابق


الخدمات العلمية