المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2821 (6) باب

بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة

[ 1612 ] عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار".

رواه أحمد ( 2 \ 4 )، والبخاري (2109)، ومسلم (1531) (43)، وأبو داود (3455)، والترمذي (1245)، والنسائي ( 7 \ 249 ).
(6) ومن باب بيع الخيار

قد تقدم القول على أصل الخيار في الباب قبل هذا. و ( البيعان ) تثنية (بيع) وهو يقال على البائع وعلى المشتري. كما يقال كل واحد منهما على الآخر. وهو اسم فاعل من: باع. كما يقال: تيق، من: تاق، وميق من: ماق.

و ( قوله: كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا ) وفي الرواية الأخرى: ( وكانا جميعا ) ظاهر ألفاظ هذا الحديث وإن كثرت متواردة على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين. وإن التفرق المذكور فيه؛ إنما هو بالأبدان. وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين، كسعيد بن المسيب ، والزهري ، وابن أبي ذئب ، والليث ، والثوري ، وسفيان بن عيينة ، وابن المبارك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأهل الظاهر. وذهبت طائفة من أصحابنا وغيرهم: إلى أنه محمول على ظاهره، لكن على جهة الندب، لا على الوجوب. وترك العمل به مالك ، وربيعة ، وأبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وأبو يوسف ، والثوري ، والنخعي [ ص: 382 ] في أحد قوليهما. ورأوا: أن التفرق إذا حصل بالأقوال وجب البيع، ولا خيار إلا إن اشترط.

والذي لأجله ترك مالك العمل بظاهر الحديث: ما نص عليه في "الموطأ" لما ذكر هذا الحديث، ثم قال: وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به. وظاهر هذا: أن أهل المدينة اتفقوا على ترك العمل به. وليس ذلك الظاهر بصحيح؛ لأن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وقد قالوا به، وقد أنكره ابن أبي ذئب على مالك . وقد اعتذر أصحابنا عن مالك بأعذار كثيرة أجمعها: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال على قول مالك : ليس لهذا عندنا حد معروف؛ يريد: أن فرقتهما ليس لها وقت معلوم. وهذه جهالة وقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة، والمنابذة. وكبيع على خيار إلى أجل مجهول. وما كان كذلك فهو فاسد قطعا، ولا يعارض هذا الأصل بظاهر لم يتحصل المراد منه مفهوما؛ إذ تفسير ابن عمر ليس بحجة، ولهذا عدل عن ظاهره الفقهاء السبعة، وغيرهم من السلف. وأولوه على أنه قد روي في بعض طرقه: ما لم [ ص: 383 ] يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله. رواه الليث عن ابن عجلان ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. فظاهر هذه الزيادة مخالف لظاهر أول الحديث، فإن تأول من أخذ بظاهر الحديث لفظ الاستقالة: باختيار الفسخ تأولنا لفظ الخيار باختيار الاستقالة، فإذا تقابل التأويلان وقف الحديث. والقياس في جانبنا.

قلت: وهذا كلام وجيز في لفظه، جامع في معناه لكل ما يتمسك به متمسك من المالكيين، وممن هو على مذهبهم. فلنقتصر عليه. والله الموفق.

و (قوله صلى الله عليه وسلم: ( إلا بيع الخيار ) معناه على مذهب الشافعي : أن خيار المجلس لا أثر له مع وجود خيار الشرط، فلو تفرقا مع اشتراط خيار الثلاث لم يجب البيع بنفس التفرق، بل بمضي مدة الخيار المشترط، ويكون هذا الاستثناء من قوله: ( لا بيع بينهما ) وهو استثناء موجب من منفي. فكأنه قال: كل بيعين فلا حكم لبيعهما ما داما في مجلسهما إلا بيع الخيار المشترط، فحكمه باق إلى مدته، [ ص: 384 ] وإن افترقا بالأبدان. ويمكن تنزيله على مذهب مالك على هذا النحو، غير أن التفرق يحمل على التفرق بالأقوال، ويكون البيعان بمعنى المتساومين. غير أن الاستثناء يكون منقطعا؛ لأن المتبايعين بالخيار الشرطي ليسا متساومين، بل متعاقدين، فيكون تقديره: لكن بيع الخيار يلزم حكمه بانقضاء مدته. والله تعالى أعلم. وقد تقدم القول في بيع الخيار وفي مدته.

التالي السابق


الخدمات العلمية