المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
2931 [ 1659 ] وعن رافع بن خديج قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " شر الكسب: مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام".

رواه مسلم (1568) (40).
[ ص: 445 ] و (قوله: شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام ). (الكسب) في الأصل هو: مصدر. تقول: كسبت المال، أكسبه، كسبا. وقد وقع في هذا بعض الحديث موضع المكسوب، فإنه أخبر عنه بالثمن. وقد قدمنا القول في: (شر) و (خير) في كتاب الصلاة.

ومساق هذا الحديث يدل على صحة ما قلناه، من أنه لا تلزم المساواة في المعطوفات على ما ذكرناه في الأصول، ألا ترى أنه شرك بين مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام في (شر) ثم إن نسبة الشر لمهر البغي كنسبته إلى كسب الحجام، مع أن مهر البغي حرام بالاتفاق، وكسب الحجام مكروه. فقد صح: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره. قال ابن عباس : ولو كان حراما لم يعطه . وقد سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام، فنهاه، ثم سأله، فنهاه، ثم سأله فقال في الثالثة: (اعلفه ناضحك، وأطعمه رقيقك) فلو كان حراما لما أجاز له تملكه، ولا أن يدفع به حقا واجبا عليه، وهو: نفقة الرقيق، فيكون (شر) في كسب الحجام بمعنى: ترك الأولى، والحض على الورع. وهذا مثل ما تقدم من قوله: (شر صفوف النساء أولها). ويكون (شر) في مهر البغي [ ص: 446 ] على التحريم.

وعلى هذا: فإما أن يحمل لفظ: (شر) في صدر الحديث على قدر مشترك بين المحرم والمكروه، أو على أن اللفظ المشترك قد يراد به جميع متناولاته. وقد بينا ذلك في أصول الفقه. وهذا كله إذا تنزلنا على أن كسب الحجام هو ما يأخذه أجرة على نفس عمل الحجامة، فإن حملناه على ما يكتسبه من بيع الدم. فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه، فلا يبعد أن يكونوا يشترونه للأكل، فيكون ثمنه حراما. كما قد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا حرم على قوم شيئا حرم عليهم ثمنه). وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث: (ثمن الدم حرام).

و ( حلوان الكاهن ) هو: ما يأخذه على تكهنه. يقال: حلوت الرجل، أحلوه: إذا أعطيته شيئا يستحليه. كما يقال: عسلته، أعسله: إذا أطعمته عسلا. ومنه: قيل للرشوة، ولما يأخذه الرجل من مهر ابنته حلوانا؛ لأنها كلها عطايا حلوة مستعذبة.

وفيه ما يدل على تحريم ما يأخذه الحساب، والمنجمون في الرمل، والخط، وغير ذلك؛ لأن ذلك كله تعاطي علم الغيب، فهي في معنى الكهانة. وما يؤخذ على كل ذلك محرم بالإجماع على ما حكاه أبو عمر .

التالي السابق


الخدمات العلمية