المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
327 (68) باب

أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - شطر أهل الجنة

[ 165 ] عن أبي سعيد الخدري ; قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله : يا آدم ! فيقول : لبيك ! وسعديك ! والخير في يديك ! قال : يقول : أخرج بعث النار . قال : وما بعث النار ؟ قال : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين . قال : فذاك حين يشيب الصغير ، وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد [ الحج : 2 ] ، قال : فاشتد ذلك عليهم . قالوا : يا رسول الله ! أينا ذلك الرجل ؟ فقال : أبشروا ، فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ، ومنكم رجل ، قال : ثم قال : والذي نفسي بيده ! إني لأطمع أن تكونوا ربع أهل الجنة فحمدنا الله وكبرنا . ثم قال : والذي نفسي بيده ! إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة فحمدنا الله وكبرنا . ثم قال : والذي نفسي بيده ! إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة . إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو كالرقمة في ذراع الحمار .

رواه أحمد ( 3 \ 32 و 33 ) ، والبخاري ( 6530 ) ، ومسلم ( 222 ) .


[ ص: 470 ] (68) ومن باب : أن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - شطر أهل الجنة

(قوله تعالى لآدم : " أخرج بعث النار ") إنما خص آدم بذلك القول ; لأنه أب للجميع ، ولأن الله تعالى قد جمع له نسم بنيه في السماء بين يديه ، وهم الأسودة التي رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء عن يمين آدم ، وهم أهل الجنة ، وعن يساره وهم أهل النار ، كما تقدم .

و " بعث النار " من يبعث إليها ، وكذلك بعث أهل الجنة . ومعنى " أخرج " هنا ممن يخرج ، ويميز بعضهم عن بعض ، وذلك يكون في المحشر حيث يجتمع الناس ويختلطون ، والله تعالى أعلم . ويحتمل أن يكون معنى أخرج ; أي : احضر إخراجهم ، فكأنهم يعرضون عليه بأشخاصهم وأسمائهم ، كما قد عرضت عليه نسمهم .

و (قوله : " وما بعث النار ؟ ") وضعت هنا " ما " موضع " كم " العددية ; لأنه أجيب عنها بعدد ، وأصل " ما " أن يسأل بها عن ذوات الأشياء وحدودها . ولما سمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ألفا إلا واحدا للنار ، وواحدا للجنة ، اشتد خوفهم لذلك ، واستقلوا عدد أهل الجنة منهم ، واستبعد كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الواحد ، فسكن النبي - صلى الله عليه وسلم - خوفهم ، وطيب قلوبهم ، فقال : " أبشروا فإن من يأجوج ومأجوج ألفا ومنكم رجل " ; ويعني بالألف هنا : التسعمائة والتسعة والتسعين [ ص: 471 ] المتقدمة الذكر . و " يأجوج ومأجوج " خلق كفار وراء سد ذي القرنين . والمراد بهم في هذا الحديث : هم ومن كان على كفرهم ، كما أن المراد بقوله : " منكم " أصحابه ومن كان على إيمانهم ; لأن مقصود هذا الحديث : الإخبار بقلة أهل الجنة من هذه الأمة بالنسبة إلى كثرة أهل النار من غيرها من الأمم ، ألا ترى أن قوله - عليه الصلاة والسلام - : " إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، أو كالرقمة في ذراع الحمار " ; يدل على ذلك المقصود ؟ .

وأما نسبة هذه الأمة إلى من يدخل الجنة من الأمم ، فهذه الأمة شطر أهل الجنة كما نص عليه . والشطر : النصف ، ومنه يقال : شاطرته مشاطرة ، إذا قاسمته فأخذت نصف ما في يديه . والرقمتان للفرس أو الحمار الأثران بباطن أعضادهما ، والرقمتان للشاة هيئتان في قوائمها متقابلتان كالظفرين . و " لبيك " معناه : إجابة لك بعد إجابة ، و " سعديك " : مساعدة بعد مساعدة ، وكلاهما منصوب على المصدر ، ولم تستعمل العرب له فعلا من لفظه يكون مصدره .

و (قوله : " والخير في يديك " ) أي : تملكه أنت لا يملكه غيرك ، وهذا كقوله تعالى : بيدك الخير إنك على كل شيء قدير [ آل عمران : 26 ] ، أي : بيدك الخير والشر ، ولكن سكت عن نسبة الشر إليه تعالى ; مراعاة لأدب الحضرة ، ولم ينسب الله لنفسه الشر ; تعليما لنا مراعاة الأدب واكتفى بقوله : إنك على كل شيء قدير [ آل عمران : 26 ] ; إذ قد استغرق كل الموجودات الممكنات .

[ ص: 472 ] و (قوله : " إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة ") هذه الطماعية قد حققت له بقوله : ولسوف يعطيك ربك فترضى [ الضحى : 5 ] وبقوله : " إنا سنرضيك في أمتك " ، كما تقدم ، لكن علق هذه البشرى على الطمع ; أدبا مع الحضرة الإلهية ووقوفا مع أحكام العبودية .

التالي السابق


الخدمات العلمية