المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
3609 [ 1850 ] وعن أبي سعيد: أن أعرابيا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني في غائط مضبة، وإنه عامة طعام أهلي. قال: فلم يجبه، فقلنا: عاوده، فعاوده فلم يجبه، ثلاثا، ثم ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الثالثة فقال: يا أعرابي، إن الله لعن - أو غضب - على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض، فلا أدري لعل هذا منها، فلست آكلها ولا أنهى عنها.

رواه مسلم (1951) (50 - 51).
[ ص: 234 ] و(قول الأعرابي: في غائط مضبة )، الغائط: المنخفض من الأرض، و( مضبة ) أي: ذات ضباب كثيرة، وهي بفتح الميم والضاد، كقولهم: أرض [ ص: 235 ] مسبعة، ومأسدة; أي: كثيرة ذلك. قال سيبويه : مفعلة - بالهاء والفتح - للتكثير، وقد حكى غيره في مضبة: كسر الميم والضاد، والأول المعروف. و(السبط): واحد الأسباط، وهم كالقبائل في العرب.

و(قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله لعن - أو: غضب - على سبط من بني إسرائيل ، فمسخهم دواب يدبون، ولا أدري لعل هذا منها ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - توقع وخوف لأن يكون الضب من نسل ما مسخ من الأمم، ومثله ما ذكره في الفأرة لما قال: (فقدت أمة من بني إسرائيل لا أدري ما فعلت، ولا أراها إلا الفأر) كان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - ظنا وحدسا قبل أن يوحى إليه: (إن الله تعالى لم يجعل لمسخ نسلا) فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوف، وعلم أن الضب والفأر ليسا من نسل ما مسخ، وعند ذلك أخبرنا بقوله: (إن الله لم يجعل لمسخ نسلا).

وقد تقدمت النصوص بإباحة أكل الضب ، وأما الفأر: فلا يؤكل، لا لأنه مسخ، بل لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استخبثه، كما قد استخبث الوزغ، وأمر بقتله، وسماه: فويسقا، وإذا ثبت ذلك فقد تناوله قوله تعالى: ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث [الأعراف: 157] فيكون أكلها حراما.

وأما الهر: فقد تناوله عموم تحريم كل ذي ناب؛ فإنه من ذوات الأنياب على ما تقدم، وقد جاء فيه حديث [ ص: 236 ] صحيح ذكره أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل الهر، وأكل ثمنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية