المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
367 [ 185 ] وعن أبي هريرة ; أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى المقبرة ، فقال : السلام عليكم دار قوم مؤمنين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ، وددت أنا قد رأينا إخواننا ، قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : أنتم أصحابي . وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . فقالوا : كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله ؟ فقال : أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة ، بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! قال : فإنهم يأتون غرا محجلين من الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض . ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال . أناديهم : ألا هلم ! ألا هلم ! فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : سحقا سحقا .

رواه أحمد ( 2 \ 375 ) ، ومسلم ( 249 ) .


و (قوله : " أتى المقبرة فقال : " السلام عليكم دار قوم مؤمنين ") المقبرة : تقال بفتح الباء وضمها ، وتسليمه عليهم لبيان مشروعية ذلك . وفيه معنى الدعاء لهم .

ويدل أيضا على حسن التعاهد وكرم العهد ، وعلى دوام الحرمة ، ويحتمل أن يرد الله تعالى أرواحهم فيسمعون ويردون . وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر حديثا صحيحا عن أبي هريرة مرفوعا ، قال : " ما من مسلم يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد عليه السلام من قبره " . وإتيان النبي - صلى الله عليه وسلم - المقبرة يدل على جواز زيارة القبور . ولا خلاف في جوازه للرجال ، وأن النهي عنه قد نسخ ، واختلف فيه للنساء على ما يأتي .

و (قوله : " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ") يحتمل أوجها :

أحدها : أنه امتثال لقول الله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله [ الكهف 23 - 24 ] فكان يكثر من ذلك حتى أدخله في ما لا بد منه وهو الموت .

[ ص: 501 ] وثانيها : أنه يكون أراد : إنا بكم لاحقون في الإيمان ، ويكون هذا قبل أن يعلم بمآل أمره ، كما قال : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم [ الأحقاف : 9 ] .

وثالثها : أن يكون استثناء في الواجب ، كما قال تعالى : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين [ الفتح : 27 ] وتكون فائدته التفويض المطلق .

ورابعها : أن يكون أراد : لاحقون بكم في هذه البقعة الخاصة ، فإنه وإن كان قد علم أنه يموت بالمدينة ويدفن بها ، فإنه قد قال للأنصار : " المحيا محياكم والممات مماتكم " ، لكن لم تعين له البقعة التي يكون فيها إذ ذاك ، وهذا الوجه أولى من كل ما ذكر ، وكلها أقوال لعلمائنا .

و (قوله : " وددت أنا قد رأينا إخواننا ") هذا يدل على جواز تمني لقاء الفضلاء والعلماء ، وهذه الأخوة هي أخوة الإيمان اليقيني ، والحب الصحيح للرسول - صلى الله عليه وسلم - . وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث : أنه - عليه الصلاة والسلام - قال : " إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني ، ويصدقون برسالتي ولم يلقوني ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله " ، وقد أخذ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله من هذا الحديث ومن قوله - صلى الله عليه وسلم - : " إن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين منكم " ; أنه يكون فيمن يأتي بعد الصحابة من يكون [ ص: 502 ] أفضل ممن كان في جملة الصحابة ، وذهب معظم العلماء إلى خلاف هذا ، وأن من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ورآه ولو مرة من عمره ، أفضل من كل من يأتي بعد ، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل . وهو الحق الذي لا ينبغي أن يصار لغيره ; لأمور :

أولها : مزية الصحبة ومشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وثانيها : فضيلة السبق للإسلام .

وثالثها : خصوصية الذب عن حضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

ورابعها : فضيلة الهجرة والنصرة .

وخامسها : ضبطهم للشريعة وحفظها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وسادسها : تبليغها لمن بعدهم .

وسابعها : السبق في النفقة في أول الإسلام .

وثامنها : أن كل خير وفضل وعلم وجهاد ومعروف فعل في الشريعة إلى يوم القيامة ، فحظهم منه أكمل حظ ، وثوابهم فيه أجزل ثواب ; لأنهم سنوا سنن الخير ، وافتتحوا أبوابه ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " ، ولا شك في أنهم الذين سنوا جميع السنن ، [ ص: 503 ] وسابقوا إلى المكارم . ولو عددت مكارمهم ، وفسرت خواصهم ، وحصرت لملأت أسفارا ، ولكلت الأعين بمطالعتها حيارى .

وعن هذه الجملة قال - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله مرفوعا : " إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار من أصحابي أربعة - يعني : أبا بكر وعمر وعثمان وعليا - فجعلهم أصحابي " ، وقال : " في أصحابي كلهم خير " . وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم - : " اتقوا الله في أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " .

وكفى من ذلك كله ثناء الله تعالى عليهم جملة وتفصيلا ، وتعيينا وإبهاما ، ولم يحصل شيء من ذلك لمن بعدهم . فأما استدلال المخالف بقوله - عليه الصلاة والسلام - : " إخواننا " فلا حجة فيه ; لأن الصحابة قد حصل لهم من هذه الأخوة الحظ الأوفر ; لأنها الأخوة اليقينية العامة ، وانفردت الصحابة بخصوصية الصحبة .

وأما قوله : " للعامل منهم أجر خمسين منكم " ، فلا حجة فيه ; لأن ذلك - إن صح - إنما هو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ; لأنه قد قال - عليه الصلاة والسلام - في آخره : " لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون " ، ولا بعد في أن يكون في بعض الأعمال لغيرهم من الأجور أكثر مما لهم فيه ، ولا تلزم منه الفضيلة المطلقة التي هي المطلوبة بهذا البحث ، والله أعلم .

[ ص: 504 ] و (قوله : " وأنا فرطهم على الحوض ") أي : متقدمهم إليه ، يقال : فرطت القوم : إذا تقدمت لترتاد لهم الماء . و " على " وقعت هنا موقع " إلى " ويحتمل أن يقدر هناك فعل يدل عليه مساق الكلام ، تقديره : فيجدوني على الحوض .

و (قوله : " ألا ليذادن ") كذا روايته هاهنا من غير خلاف ، واختلف فيه في " الموطأ " فروي : " فليذادن " بلام القسم . وروي : " فلا يذادن " ، بلا النافية ، وكلاهما صحيح ، فاللام على قسم محذوف تقديره : فوالله ليذادن ، وبـ " لا " يكون من باب قولهم : لا أرينك هاهنا ; أي : لا يتعاطى أسباب الذود عن حوضي ، ومعنى ليذادن : ليدفعن . والذود : الدفع . والدهم : جمع أدهم ، وهو الأسود من الخيل الذي يضرب إلى الخضرة . والبهم : جمع البهيم الذي لا لون فيه سوى الدهمة .

و (قوله : " أناديهم ألا هلم ") أي : تعالوا . وفي " هلم " لغتان : إلحاق علامة التثنية والجمع ، وبهذه اللغة جاء لفظ هذا الحديث ، وبها جاء القرآن .

و (قوله : " فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك ") اختلف العلماء في تأويله ، فالذي صار إليه الباجي وغيره - وهو الأشبه بمساق الأحاديث - : أن هؤلاء الذين يقال لهم هذا القول ناس نافقوا ، وارتدوا من الصحابة وغيرهم ، فيحشرون في أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كما قد تقدم من قوله : " وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها " ، وعليهم سيماء هذه الأمة من الغرة والتحجيل ، فإذا رآهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عرفهم بالسيماء ، ومن كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم : " ألا هلم " ، فإذا انطلقوا نحوه حيل بينهم وبينه ، وأخذ بهم ذات الشمال . فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " يا رب أمتي ومن أمتي " ، وفي لفظ آخر : " أصحابي " ، [ ص: 505 ] فيقال له إذ ذاك : " إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، وإنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتهم " ، فإذ ذاك تذهب عنهم الغرة والتحجيل ، ويطفأ نورهم ، فيبقون في الظلمات ، فينقطع بهم عن الورود ، وعن جواز الصراط ، فحينئذ يقولون للمؤمنين : انظرونا نقتبس من نوركم [ الحديد : 13 ] فيقال لهم : ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا [ الحديد : 13 ] ، مكرا وتنكيلا ليتحققوا مقدار ما فاتهم ، فيعظم أسفهم وحسرتهم ، أعاذنا الله من أحوال المنافقين ، وألحقنا بعباده المخلصين . وقال الداودي وغيره : يحتمل أن يكون هذا في أهل الكبائر والبدع الذين لم يخرجوا عن الإيمان ببدعتهم ، وبعد ذلك يتلافاهم الله برحمته ، ويشفع لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال القاضي عياض : والأول أظهر .

و (قوله : " سحقا سحقا ") أي : بعدا ، والمكان السحيق : البعيد ، والتكرار للتأكيد .

التالي السابق


الخدمات العلمية