المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
385 (9) باب

ما يستنجى به والنهي عن الاستنجاء باليمين

[ 199 ] عن سلمان ; قال : قيل له : قد علمكم نبيكم - صلى الله عليه وسلم - كل شيء حتى الخراءة ، قال : فقال : أجل ، لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول ، أو أن نستنجي باليمين ، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار ، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم .

وفي رواية : ونهانا عن الروث والرمة .

رواه مسلم ( 262 ) ، وأبو داود ( 7 ) ، والترمذي ( 16 ) ، والنسائي ( 1 \ 38 - 39 ) .


[ ص: 516 ] (9) ومن باب الاستنجاء

(قوله : " قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة ") هو بكسر الخاء ممدود مهموز ، وهو اسم فعل الحدث ، وأما الحدث نفسه فبغير تاء ممدود ، وتفتح خاؤه وتكسر ، ويقال : بفتحها وسكون الراء والقصر من غير مد .

و (قوله : " أجل ") أي : نعم . قال الأخفش : إلا أنه أحسن من نعم في الخبر ، ونعم أحسن منه في الاستفهام ، وهما لتصديق ما قبلهما مطلقا ، نفيا كان أو إيجابا ، فأما " بلى " فهو جواب بعد النفي عاريا من حرف الاستفهام ، أو مقرونا به . قال الجوهري : بلى ; إيجاب لما يقال لك ; لأنها ترد النفي ، وربما ناقضتها نعم . فإذا قال : ليس لك وديعة . فقولك : نعم ، تصديق له ، وبلى تكذيب له .

و ( قوله : " نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول " ) دليل لمن ذهب إلى منع الاستقبال والاستدبار مطلقا ، وهو أحمد وأبو ثور وأبو حنيفة في المشهور عنه ، وزاد النخعي وابن سيرين : منع استقبال القبلة المتقدمة واستدبارها . وكأن هؤلاء لم يبلغهم حديث ابن عمر الآتي ، أو لم يصلح عندهم للتخصيص ; لأنه فعل في خلوة . وذهب ربيعة وداود : إلى جواز ذلك مطلقا ; متمسكين بحديث ابن عمر ، وبما رواه الترمذي عن جابر قال : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول ، فرأيته قبل أن يموت بعام يستقبلها " . قال : وقال فيه البخاري : هو صحيح .

[ ص: 517 ] وذهب الشافعي إلى التفريق بين القرى والصحارى تعويلا على أن حديث ابن عمر مخصص لأحاديث النهي . وأما مذهب مالك فهو أنه إذا كان ساتر وكنف ملجئة إلى ذلك جاز ، وإن كان الساتر وحده فروايتان . وسبب هذا الاختلاف : اختلاف هذه الأحاديث ، وبناء بعضها على بعض . وقد أشرنا إلى ذلك . وقد تقدم القول على قوله : " وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار " . والضابط فيما يستنجى به عندنا : كل طاهر منق ، ليس بمطعوم ولا ذي حرمة ، ولا تخفى قيوده .

و (قوله : " برجيع أو بعظم ") الرجيع : العذرة ، والأرواث ، ولا يستنجى بها لنجاستها ، ولذلك قال - عليه الصلاة والسلام - لعبد الله بن مسعود حيث أتاه بالحجرين والروثة : " إنها رجس " ، ذكره البخاري . وقد جاء أيضا من حديثه في كتاب أبي داود ما يدل على أنه إنما نهى عن الاستنجاء بها . وبالعظم ; لكونهما زادا للجن . قال : قدم وفد الجن على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا محمد ! انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة ; فإن الله جاعل لنا فيها رزقا . وكذلك جاء في البخاري من حديث أبي هريرة قال : فقلت : ما بال العظم والروثة ؟ قال : " هما من طعام الجن ، وإنه أتاني وفد جن نصيبين ، ونعم الجن ، فسألوني الزاد ، فدعوت الله ألا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاما " ، وفي بعض الحديث : " وأما الروث فعلف دوابهم " .

[ ص: 518 ] ويؤخذ من هذا الحديث : احترام أطعمة بني آدم وتنزيهها عن استعمالها في أمثال هذه القاذورات . ووجه هذا الأخذ أنه إذا منع من الاستنجاء بالعظم والروث ; لأنها زاد الجن وطعامهم ; فأحرى وأولى زاد الإنس وطعامهم .

و " الرمة " العظم البالي ، وقد أطلق عليه أيضا : الحائل ; أي : قد أتت عليه أحوال فحال ، ويمكن جريان العلة المتقدمة في الرمة من حيث هو عظم فيجدون عليها طعاما ، كما قد صح . وقيل : لأنها تتفتت فلا تثبت عند الاستنجاء بها ، ولا يتأتى بها قلع ما هنالك . وقيل : لأنها تصير مثل الزجاج من حيث ملوستها فلا تقلع شيئا .

" والحمم " الفحم ، وعلل بأنه زاد الجن ، وهو أيضا لا صلابة لأكثره ، فيتفتت عند الاستنجاء ، ويلوث الجسد ويسخمه ، والدين مبني على النظافة .

تنبيه :

إن وقع الاستنجاء والإنقاء بالطاهر المنقي المنهي عن الاستنجاء به فإنه يجزئه عندنا . وهل يعيد الصلاة في الوقت أو لا ؟ قولان ، وكذلك مسألة من استنجى بيمينه فإنه أساء وأجزأه . وقال أهل الظاهر : لا يجزئه لاقتضاء النهي فساد المنهي عنه . وعند الجمهور لا يقتضيه ، وأيضا فإن الجمهور صرفوا هذا النهي [ ص: 519 ] إلى غير ذات المنهي عنه ، وهو احترام المطعوم واليمين ، والمطلوب - الذي هو الإنقاء - قد حصل ، فيجزئ عنه . ونهيه في حديث أبي قتادة عن إمساك الذكر باليمين ، وعن التمسح في الخلاء باليمين ، يلزم منهما تعذر . اختلف علماؤنا في كيفية التخلص منه ; فقال المازري : يأخذ ذكره بشماله ثم يمسح به حجرا ليسلم على مقتضى الحديثين . قال الشيخ - رحمه الله - : وهذا إن أمكنه حجر ثابت ، أو أمكنه أن يسترخي فيتمسح بالأرض ; فأما إذا لم يمكنه شيء من ذلك ؟ فقال الخطابي : يجلس على الأرض ويمسك برجليه الشيء الذي يتمسح به ويتناول ذكره بشماله .

قال الشيخ : وقد يكون بموضع لا يتأتى له فيه الجلوس ، فقال عياض : الأولى من ذلك : أن يأخذ ذكره بشماله ، ثم يأخذ الحجر بيمينه ، فيمسكه أمامه ، ويتناول بالشمال تحريك رأس ذكره ، ويمسحه بذلك ، دون أن يستعمل اليمين في غير إمساك ما يتمسح به . قال الشيخ : وهذه الكيفية أحسنها لقلة تكلفها وتأتيها ، ولسلامتها عن ارتكاب منهي عنه ; إذ لم يمسك ذكره باليمين ولم تمسح به ، وإنما أمسك ما يتمسح به .

التالي السابق


الخدمات العلمية