المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
4406 [ 2304 ] وعنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أريت كأني أنزع بدلو بكرة على قليب، فجاء أبو بكر، فنزع ذنوبا أو ذنوبين فنزع نزعا ضعيفا، والله تبارك وتعالى يغفر له، ثم جاء عمر فاستقى فاستحالت غربا، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه حتى روي الناس، وضربوا العطن.

رواه البخاري (3682)، ومسلم (2393)، والترمذي (2290).

[ 2305 ] وفي رواية: "حتى ضرب الناس بعطن".

هذه الرواية من حديث أبي هريرة عند أحمد ( 2 \ 368 )، والبخاري (7021)، ومسلم (2392).

[ 2306 ] وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم أريت أني أنزع على حوض أسقي الناس، فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني، فنزع دلوين؛ وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه، فلم أر نزع رجل قط أقوى منه، حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر.

رواه البخاري (7022)، ومسلم (2392) (18).
و (قوله - صلى الله عليه وسلم -: " أريت أني أنزع في دلو بكرة على قليب ") أنزع: أستقي. وأصل النزع: الجذب. والقليب: البئر غير المطوية، وهي التي عبر عنها في الرواية الأخرى بالحوض. والحوض: مجتمع الماء. والبكرة: الخشبة المستديرة التي تدور بالحبل.

و (قوله: " فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين فنزع وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ") الذنوب: الدلو، والغرب أكبر منها.

و (قوله: " ذنوبا أو ذنوبين ") هو شك من بعض الرواة، وقد جاء بغير شك: " ذنوبين " في الرواية الأخرى. وهي أحسن. وهذه الرؤيا هي مثال لما فتح الله تعالى على يدي النبي صلى الله عليه وسلم ويدي الخليفتين بعده من الإسلام والبلاد والفيء، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو مبدأ الأمر وممكن منه، وأبو بكر رضي الله عنه بعده، غير أن مقدار ما فتح الله على يديه من بلاد الكفر قليل؛ لأن مدة خلافته كانت سنتين وثلاثة أشهر، اشتغل في معظمها بقتال أهل الردة، ثم لما فرغ منها أخذ في قتال أهل الكفر، ففتح في تلك المدة بعض العراق وبعض الشام ، ثم مات رضي الله عنه، ففتح الله على يدي عمر رضي الله عنه سائر [ ص: 255 ] البلاد، واتسعت خطة الإسلام شرقا وغربا وشاما، وعظمت الفتوحات، وكثرت الخيرات والبركات التي نحن فيها حتى اليوم. فعبر عن سنتي خلافة أبي بكر - رضي الله عنه - بالذنوبين، وعن قلة الفتوحات فيها بالضعف، وليس ذلك وهنا في عزيمته، ولا نقصا في فضله على ما هو المعروف من همته، والموصوف من حالته.

و (قوله: " والله يغفر له ") لا يظن جاهل بحال أبي بكر - رضي الله عنه -: أن هذا الاستغفار لأبي بكر كان لذنب صدر عنه، أو لتقصير حصل منه، إذ ليس في المنام ما يدل على شيء من ذلك، وإنما هذا دعام للكلام، وسناد، وصلة، وقد تقدم في الحديث: أنها كانت كلمة يقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك. وهذا نحو قولهم: تربت يمينك، وألت ! وقاتله الله ! ونحو ذلك مما تستعمله العرب في أضعاف كلامها على ما تقدم. و (قوله: " فاستحالت في يده غربا ") أي: الدلو الصغيرة عادت في يده دلوا كبيرة.

و (قوله: " فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه ") قال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن العبقري فقال: يقال: هذا عبقري قومه، كقولهم: سيد قومه وكبيرهم وقويهم. قال أبو عبيد : وأصله: أنه نسبة إلى أرض تسكنها الجن، فصارت مثلا لكل منسوب لشيء رفيع. ويقال: بل هي أرض يعمل فيها الوشي والبرود، ينسب إليها الوشي العبقري، ومنه قوله تعالى: وعبقري حسان [الرحمن: 76] وقال أبو عبيد : العبقري: الرجل الذي ليس فوقه شيء.

و " يفري فريه ": الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء، وتروى بتسكين الراء وتخفيف [ ص: 256 ] الياء، وأنكر الخليل التثقيل، وغلط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويقوى قوته، وأصل الفري: القطع. يقال: فلان يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله تعالى: لقد جئت شيئا فريا [مريم: 27] أي: عظيما بالغا في فنه. يقال: فريت الأديم إذا قطعته على جهة الإصلاح، وأفريته: إذا قطعته على جهة الإفساد.

و (قوله: " حتى روي الناس، وضربوا العطن ") روي - بكسر الواو وفتح الياء -: فعل ماض، ومضارعه يروى - بفتح الواو - من الري: وهو الامتلاء من الشراب، ومعناه: أنهم رووا في أنفسهم. وضربوا العطن، أي: رووا إبلهم، وأصله أنهم يسقون الإبل، ثم يعطنونها، أي: يتركونها حول الحياض لتستريح، ثم يعيدون شربها، يقال منه: عطنت الإبل فهي عاطنة، وعواطن، وأعطنتها أنا. حكاه ابن الأنباري . وفي الصحاح: عطنت الجلد، أعطنه عطنا، فهو معطون: إذا [ ص: 257 ] ألقيته في الماء والملح والعلقى ليتفسخ صوفه ويسترخي، وعطن الإهاب - بالكسر - يعطن عطنا فهو عطن: إذا أنتن وسقط في العطن وقد انعطن. والعطن والمعطن واحد الأعطان والمعاطن، وهي مبارك الإبل عند الماء لتشرب عللا بعد نهل، وعطنت الإبل - بالفتح - تعطن، وتعطن عطونا: إذا رويت ثم بركت، فهي: إبل عاطنة، وعواطن، وقد ضرب بعطن، أي: بركت إبله. قال ابن السكيت : وكذلك تقول: هذا عطن الغنم ومعطنها: لمرابضها حول الماء.

قلت: وقد جاء معنى هذه الرواية مفسرا في الرواية الأخرى التي قال فيها: " فجاء عمر فأخذه مني، يعني: الدلو، فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر ". وفي هذه من الزيادة ما يدل على أن عمر - رضي الله عنه - يتوفى ويبقى النصر والفتح بعده متصلا، وكذلك كان - رضي الله عنه -.

التالي السابق


الخدمات العلمية