المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
408 [ 207 ] وعن المغيرة ; قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات ليلة في مسير فقال لي : أمعك ماء ؟ قلت : نعم . فنزل عن راحلته ، فمشى حتى توارى في سواد الليل ، ثم جاء ، فأفرغت عليه من الإداوة ، فغسل وجهه ، وعليه جبة من صوف - وفي رواية : شامية ضيقة الكمين - فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منها ، حتى أخرجهما من أسفل الجبة . فغسل ذراعيه ، ومسح برأسه ، ثم أهويت لأنزع خفيه ، فقال : دعهما ، فإني أدخلتهما طاهرتين " ومسح عليهما .

رواه أحمد ( 4 \ 251 ) ، والبخاري ( 5799 ) ، ومسلم ( 274 ) ، وأبو داود ( 149 و 150 و 151 ) ، والترمذي ( 97 - 100 ) ، والنسائي ( 1 \ 82 ) .


و (قوله في حديث المغيرة : " ذات ليلة ") أي : ليلة من الليالي ، وهي منصوبة على الظرفية ، كما تقول : ذات مرة ; أي : مرة من المرات ، ويقال للمذكر : ذا صباح وذا مساء ، كما قال الشاعر :


عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود

وكان هذا المسير في غزوة تبوك ، كما في " الموطأ " . والمسير : السير ، وقد يكون : الطريق الذي يسار فيه . وتوارى : غاب . والإداوة : الإناء من الجلد ، وفي طريق آخر : " مطهرة " ، وفيه حجة للجماعة في جواز صب الماء على المتوضئ . وقد روي عن عمر وابنه كراهة ذلك ، وقد روي عنهما خلاف ذلك . فروي عن عمر : " أن ابن عباس صب على يديه الوضوء . وقال ابن عمر : " لا أبالي ، أعانني رجل على وضوئي وركوعي وسجودي . وهو الصحيح .

وفيه دليل على جواز الاقتصار على فروض الوضوء دون السنن ، إذا [ ص: 530 ] أرهقت إلى ذلك ضرورة . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها ولم يذكرها المغيرة ، والظاهر خلاف ، وقد روى البخاري من حديث عبد الله بن زيد : أنه - عليه الصلاة والسلام - اقتصر على الفروض ، وقد قدمنا قوله للأعرابي : " توضأ كما أمرك الله " ، وفيه دليل على أن يسير التفريق في الطهارة لا يفسدها . قال أبو محمد عبد الوهاب : لا يختلف في أن التفريق غير المتفاحش لا يفسد الوضوء . واختلف في الكثير المتفاحش ، فروي عن ابن وهب : أنه يفسده في العمد والسهو ، وهو أحد قولي الشافعي ، وحكي عن ابن عبد الحكم أنه لا يفسده في الوجهين ، وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي في قول آخر . وعند ابن القاسم : أنه يفسده مع العمد أو التفريط ، ولا يفسده مع السهو .

وقال أبو الفضل عياض : إن مشهور المذهب أن الموالاة سنة ، وهذا هو الصحيح ; بناء على ما تقدم : من أن الفرائض محصورة في الآية ، وليس في الآية ما يدل على الموالاة ، وإنما أخذت من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإذ لم يرو عنه قط أنه فرق تفريقا متفاحشا .

واختلف في الفرق بين اليسير والكثير ; فقيل : ذلك يرجع إلى الاجتهاد ، وليس فيه حد ، وقيل : جفاف الوضوء هو الكثير . وفيه دليل على أن الصوف لا ينجس بالموت ; لأن الجبة كانت من عمل الشام ، والشام إذ ذاك بلاد الكفر والشرك من مجوس وغيرهم ، وأكثر مأكلهم ميتة ، ولم يسأل عن ذلك - صلى الله عليه وسلم - ولا توقف فيه .

وفيه دليل على لباس الضيق والتشمير للأسفار .

و (قوله : " دعهما ، فإني أدخلتهما وهما طاهرتان ") حمل الجمهور هذه [ ص: 531 ] الطهارة على العرفية ، وهي طهارة الحدث ، وخصوها بالماء ; لأنه الأصل ، والطهارة به هي الغالبة . ورأى أصبغ : أن طهارة التيمم تدخل تحت مطلق قوله : " هما طاهرتان " ، وقيل عنه : إنه بناه على أن التيمم يرفع الحدث .

وذهب داود إلى أن المراد بالطهارة هنا : هي الطهارة من النجس فقط ، فإذا كانت رجلاه طاهرتين من النجاسة جاز المسح على الخفين ، وسبب الخلاف : الاشتراك في اسم الطهارة .

التالي السابق


الخدمات العلمية