المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
4641 (6) باب النهي عن التحاسد والتدابر والتباغض وإلى كم تجوز الهجرة ؟

[ 2467 ] عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" .

وفي رواية : " ولا تقاطعوا " بدل " ولا تدابروا " وزاد: " كما أمركم الله " .

رواه أحمد ( 3 \ 110 )، والبخاري (6065)، ومسلم (2559) (23 و 24)، وأبو داود (4910)، والترمذي (1935).


ومن باب : النهي عن التحاسد والتدابر

(قوله : لا تباغضوا ، أي : لا تتعاطوا أسباب البغض ، لأن الحب والبغض معان قلبية لا قدرة للإنسان على اكتسابها ، ولا يملك التصرف فيها ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " اللهم ! هذا قسمي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك " يعني : الحب والبغض .

و (قوله : " لا تدابروا ") أي : لا تفعلوا فعل المتباغضين اللذين يدبر كل واحد منهما عن الآخر ، أي : يوليه دبره فعل المعرض .

و (قوله : " ولا تقاطعوا ") أي : لا تقاطعه فلا تكلمه ، ولا تعامله ، وهو معنى : لا تهاجروا ، وهي رواية ابن ماهان ، وهي : من الهجران ، وعن الجلودي : " ولا تهجروا " . وعن أبي بحر : " تهجروا " بكسر التاء والهاء والجيم . قال القاضي : [ ص: 532 ] معنى الكلمة : لا تهتجروا ، وتكون : تفتعلون : يعني تهاجروا ، أو من هجر الكلام : وهو الفحش فيه ، أي : لا تتسابوا وتتفاحشوا .

قلت : والرواية الأولى أوضح وأولى .

و (قوله : " ولا تحاسدوا ) أي : لا يحسد بعضكم بعضا ، والحسد في اللغة : أن تتمنى زوال نعمة المحسود وعودها إليك . يقال : حسده يحسده حسودا . قال الأخفش : وبعضهم يقول : يحسد -بالكسر- والمصدر حسدا بالتحريك ، وحسادة ، وحسدتك على الشيء ، وحسدتك الشيء : بمعنى واحد . فأما الغبطة فهي أن تتمنى مثل حال المغبوط من غير أن تريد زوالها عنه . تقول منه : غبطته بما نال غبطا وغبطة . وقد يوضع الحسد موضع الغبطة لتقاربهما ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " لا حسد إلا في اثنتين " أي : لا غبطة أعظم ولا أحق من الغبطة بهاتين الخصلتين .

و (قوله : " وكونوا عباد الله إخوانا ") أي : كونوا كإخوان النسب في الشفقة ، والرحمة ، والمودة ، والمواساة ، والمعاونة ، والنصيحة .

و (قوله : " كما أمركم الله ") يحتمل أن يريد به هذا الأمر الذي هو قوله : " كونوا إخوانا " ، لأن أمره صلى الله عليه وسلم هو أمر الله ، وهو مبلغ له ، ويحتمل : أن يريد بذلك قوله تعالى : إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] فإنه خبر عن المشروعية التي ينبغي للمؤمنين أن يكونوا عليها ، ففيها معنى الأمر .

و (قوله : لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ") دليل خطابه : أن الهجرة دون الثلاث معفو عنها ، وسببه : أن البشر لا بد له غالبا من سوء خلق [ ص: 533 ] وغضب ، فسامحه الشرع في هذه المدة ، لأن الغضب فيها لا يكاد الإنسان ينفك عنه ؟ ولأنه لا يمكنه رد الغضب في تلك الحالة غالبا ، وبعد ذلك يضعف فيمكن رده ، بل : قد يمحى أثره .

وظاهر هذا الحديث تحريم الهجرة فوق ثلاث ، وقد أكد هذا المعنى قوله : " لا هجرة بعد ثلاث " ، وكون المتهاجرين لا يغفر لهما حتى يصطلحا .

التالي السابق


الخدمات العلمية