المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
4781 (35) كتاب القدر

(1) باب في كيفية خلق ابن آدم

[ 2570 ] عن عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها".

وفي رواية : "أربعين ليلة (بدل) يوما" .


[ ص: 649 ] (35)

كتاب القدر

قد تقدم في كتاب الإيمان القول في لفظ القدر ومعناه ، واختلاف الناس فيه

(1) ومن باب : في كيفية خلق ابن آدم

(قوله : " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ") يعني - والله تعالى أعلم - أن المني يقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثا [ ص: 650 ] متفرقا ، فيجمعه الله تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة . وقد جاء في بعض الحديث عن ابن مسعود - رضي الله عنه - تفسير : " يجمع في بطن أمه " : أن النطفة إذا وقعت في الرحم ، فأراد الله تعالى أن يخلق منها بشرا ، طارت في بشر المرأة تحت كل ظفر وشعر ، ثم تمكث أربعين ليلة ، ثم تصير دما في الرحم ، فذلك جمعها ، وهذا وقت كونها علقة ، والعلق : الدم .

و (قوله : " ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ") و " ذلك " الأول إشارة إلى المحل الذي اجتمعت فيه النطفة ، وصارت علقة ، و " ذلك " الثاني إشارة إلى الزمان الذي هو الأربعون ، وكذلك القول في قوله : " ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك " والمضغة : قدر ما يمضغه الماضغ من لحم أو غيره .

و (قوله : " ثم يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح ") يعني : الملك الموكل بالرحم ، كما قال في حديث أنس - رضي الله عنه - : " إن الله قد وكل بالرحم ملكا " . وظاهر هذا السياق أن الملك عند مجيئه ينفخ الروح في المضغة ، وليس الأمر كذلك ؛ بل إنما ينفخ الروح فيها بعد أن تتشكل تلك المضغة بشكل ابن آدم ، وتتصور بصورته ، كما قال تعالى : فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما [المؤمنون: 14] وكما قال في الآية الأخرى : من مضغة مخلقة وغير مخلقة [الحج: 5].

[ ص: 651 ] فالمخلقة : المصورة ، وغير المخلقة : السقط . قال أبو العالية وغيره : وهذا التخليق والتصوير يكون في مدة أربعين يوما ، وحينئذ ينفخ فيه الروح ، وهو المعني بقوله تعالى : ثم أنشأناه خلقا آخر [المؤمنون: 14] في قول الحسن والكبي من المفسرين . قال القاضي : ولم يختلف أن نفخ الروح فيه بعد مائة وعشرين يوما ، وذلك تمام أربعة أشهر ، ودخوله في الخامس ، وهذا موجود بالمشاهدة ، وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع ، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات ، وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف . وقد قيل : إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر . وهذا الدخول في الخامسة يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل . ونفخ الملك في الصورة سبب يخلق الله عنده بها الروح والحياة ، لأن النفخ المتعارف إنما هو إخراج ريح من النافخ يتصل بالمنفوخ فيه ، ولا يلزم منه عقلا ولا عادة في حقنا تأثير في المنفوخ فيه ؛ فإن قدر حدوث شيء عند ذلك النفخ ، فذلك بإحداث الله تعالى لا بالنفخ ، وغاية النفخ : أن يكون معدا عاديا لا موجبا عقليا ، وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة ، فتأمل هذا الأصل وتمسك به ، فبه النجاة من مذاهب أهل الضلال من أهل الطبائع وغيرهم .

و (قوله : " ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه ، وأجله ، وعمله ، وشقي أو سعيد ") ظاهر هذا اللفظ : أن الملك يؤمر بكتب هذه الأربعة ابتداء ، وليس كذلك ، بل إنما يؤمر بذلك بعد أن يسأل عن ذلك فيقول : يا رب ! ما الرزق ؛ ما الأجل ؛ ما العمل ؛ وهل شقي أو سعيد ؛ كما تضمنته الأحاديث الآتية بعد ، بل قد روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : حدثنا داود ، عن عامر ، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، وعن ابن عمر : " إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه ، وقال : أي رب ، أذكر أم أنثى ؛ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت ؛ فيقال له : انطلق إلى أم الكتاب ؛ فإنك تجد قصة هذه النطفة ، فينطلق فيجد [ ص: 652 ] قصتها في أم الكتاب ؛ فتلحق ؛ فتأكل رزقها ، وتطأ أثرها ، فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها " . وزاد في بعض روايات حديث ابن مسعود : " إن الملك يقول : يا رب ! مخلقة أو غير مخلقة ؛ فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما ، وإن قيل : مخلقة قال : أي رب ! ذكر أم أنثى " . وذكر نحو ما تقدم .

فقوله : " إن النطفة إذا استقرت في الرحم " يعني بهذا الاستقرار : صيرورة النطفة علقة ومضغة ، لأن النطفة قبل ذلك غير مجتمعة كما تقدم ، فإذا اجتمعت وصارت ماء واحدا علقة أو مضغة ، أمكن حينئذ أن تؤخذ بالكف ، وسماها نطفة في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها ، والله تعالى أعلم .

ويستفاد من جملة ما ذكرناه أن المرأة إذا ألقت نطفة لم يتعلق بها حكم ، إذ لم تجتمع في الرحم ، فتبين أنها كانت حاملا ، إذ الرحم قد يدفع النطفة قبل استقرارها فيه ، فإذا طرحته علقة تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال ما يتحقق به أنه ولد . وعلى هذا : فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة ، وضع حمل يبرأ به الرحم ، وتنقضي به العدة ، ويثبت لها به حكم أم الولد ، وهذا مذهب مالك وأصحابه . وقال الشافعي : لا اعتبار بإسقاط العلقة ، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط ؛ فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج ، وعمدة أصحابنا : التمسك بالحديث المتقدم ، وبأن مسقطة العلقة ، أو المضغة يصدق على المرأة إذا ألقتها أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها ، فشملها قوله تعالى : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن [الطلاق: 4] ويصدق عليها قوله صلى الله عليه وسلم لسبيعة الأسلمية : " قد وضعت فانكحي من شئت " ؛ ولأنها وضعت مبدأ [ ص: 653 ] الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط . واستيفاء ما يتعلق به سؤالا وجوابا في الخلاف .

و (قوله : " إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها . . . الحديث إلى آخره ") ظاهر هذا الحديث : أن هذا العامل كان عمله صحيحا ؛ وأنه قرب من الجنة بسبب عمله ، حتى أشرف على دخولها ، وإنما منعه من دخولها سابق القدر الذي يظهر عند الخاتمة ، وعلى هذا فالخوف - على التحقيق - إنما هو مما سبق ؛ إذ لا تبديل له ولا تغيير ، فإذا : الأعمال بالسوابق ، لكن لما كانت السوابق مستورة عنا ، والخاتمة ظاهرة لنا ، قال صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالخواتيم " أي : عندنا ، وبالنسبة إلى اطلاعنا في بعض الأشخاص ، وفي بعض الأحوال . وأما العامل المذكور في حديث سهل المتقدم في الإيمان ؛ فإنه لم يكن عمله صحيحا في نفسه ، وإنما كان رياء وسمعة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو [ ص: 654 ] للناس ، وهو من أهل النار " فيستفاد من هذا الحديث : الاجتهاد في إخلاص الأعمال لله تعالى ، والتحرز من الرياء . ويستفاد من حديث ابن مسعود : ترك العجب بالأعمال ، وترك الالتفات والركون إليها ، والتعويل على كرم الله تعالى ورحمته ، والاعتراف بمنته ، كما قال صلى الله عليه وسلم : " لن ينجي أحدا منكم عمله . . . الحديث " .

التالي السابق


الخدمات العلمية