المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
4835 (3) باب

فضل إحصاء أسماء الله تعالى

[ 2616 ] عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله تسعة وتسعين اسما ، من حفظها دخل الجنة ، والله وتر يحب الوتر " .

وفي رواية : " وإن لله تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا ; من أحصاها دخل الجنة " .

رواه أحمد (2 \ 267) ، ومسلم (2677) (5 و 6) ، والترمذي (3506) ، وابن ماجه (3860) .


[ ص: 14 ] (3) ومن باب : فضل إحصاء أسماء الله تعالى

(قوله : " إن لله تسعة وتسعين اسما - مائة إلا واحدا - ") الاسم في العرف العام : هو الكلمة الدالة على معنى مفرد ، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف ، إذ كل واحد منها يصدق عليه ذلك الحد ، فلا فعل ، ولا حرف في العرف العام ، وإنما ذلك اصطلاح النحويين والمنطقيين ، وليس ذلك من غرضنا . وإذا فهمت هذا فهمت غلط من قال : إن الاسم هو المسمى حقيقة ، كما قالت طائفة من جهال الحشوية ; فإنهم صرحوا بذلك واعتقدوه حتى ألزموا على ذلك أن من قال : سم ، مات ، ومن قال : نار ، احترق . وهؤلاء أخس من أن يشتغل بمخاطبتهم ، وأما من قال من النحويين ، ومن المتكلمين : الاسم هو المسمى ، فحاشاهم أن يريدوا هذه الحماقة ، وإنما أرادوا أنه هو من حيث إنه لا يدل إلا عليه ، ولا يفيد إلا هو ، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالة على ذات المسمى دل عليها من غير مزيد أمر آخر ، وإن كان من الأسماء الدالة على معنى زائد : دل [ ص: 15 ] على تلك الذات ، منسوبة إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره . وبيان ذلك : أنك إذا قلت : زيد - مثلا - فهو يدل على ذات مشخصة في الوجود من غير زيادة ولا نقصان ، فلو قلت - مثلا - : العالم ; دل هذا على تلك الذات منسوبة إلى العلم ، وكذلك لو قلت : الغني ; دل ذلك على تلك الذات مع إضافة مال إليها ، وكذلك لو قلت : الفقير ; دل على تلك الذات مع سلب المال عنها ، وهذا جار في كل ما يقال عليه اسم بالعرف العام . ومن هنا صح عقلا أن تكثر الأسماء المختلفة على ذات واحدة ، ولا توجب تعددا فيها ، ولا تكثيرا ، وقد غمض فهم هذا - مع وضوحه - على بعض أئمة المتكلمين ، وفر منه هربا من لزوم تعدد في ذات الإله ، حتى تأول هذا الحديث ; بأن قال : إن الاسم فيه يراد به التسمية ، ورأى أن هذا يخلصه من التكثر ، وهذا فرار من غير مفر إلى غير مفر ، وذلك أن التسمية إنما هي وضع الاسم ، أو ذكر الاسم ، فإنه يقال لمن سمى ابنه عند ولادته بزيد : سمى يسمي تسمية ، وكذلك نقول لمن ذكر اسم زيد لغيره ، وعلى هذا فالتسمية هي نسبة الاسم إلى مسماه ، فإذا قلنا : إن لله تعالى تسعة وتسعين تسمية ، اقتضى ذلك : أن يكون له تسعة وتسعون اسما ينسبها كلها إليه ، فبقي الإلزام بعد ذلك التكلف والتعسف ، والحق ما ذكرناه ، والمفهم الإله . وقد يقال : الاسم هو المسمى ، ويعني به : أن هذه الكلمة التي هي الاسم ، قد يطلق ويراد به المسمى ، كما قيل ذلك في قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى [ الأعلى : 1 ] أي : سبح ربك ، فأريد بالاسم المسمى ، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن ينكر ، ولا جرم قال به في هذه الآية وفيما يشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم ، وإذا تقرر هذا فافهم أن أسماء الحق سبحانه وإن تعددت فلا تعدد في ذاته تعالى ، ولا تركيب ، لا عقليا كترتيب المحدودات ، ولا محسوسا كترتيب الجسمانيات ، وإنما تعددت أسماؤه تعالى بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات ، ثم هذه الأسماء من جهة دلالتها على أربعة أضرب ; فمنها : ما يدل على الذات مجردة ، كاسم الله تعالى ، على قول من يقول : [ ص: 16 ] إنه علم غير مشتق ، وهو الخليل وغيره ; لأنه يدل على الوجود الحق الموصوف بصفات الجلال والكمال ، دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد ، ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرف كل أسمائه به ، فيقال : الرحمن : اسم الله ، ولا يقال : الله اسم الرحمن ، ولأن العرب عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النداء ، فجمعوا بينه وبين ياء النداء ، ولو كان مشتقا لكانت لامه زائدة ، وحينئذ لا يجمع بينه وبينها في النداء ، كما لا تقول العرب : يا لحارث ولا يا لعباس . ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق .

ومنها : ما يدل على صفات الباري تعالى الثابتة له ، كالعالم والقادر ، والسميع والبصير .

ومنها : ما يدل على إضافة أمر ما إليه ، كالخالق ، والرازق .

ومنها : ما يدل على سلب شيء عنه ، كالقدوس ، والسلام . وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة ، دائرة بين النفي والإثبات ، فاختبرها تجدها كذلك .

و (قوله : " مائة إلا واحدا ") تأكيد للجملة الأولى ، ليرفع به وهم متوهم في النطق أو الكتابة ; لأن تسعة مقاربة لسبعة فيهما . ومائة منصوبة بدل من تسعة .

و (قوله : " من أحصاها دخل الجنة ") هذه الجملة خبر ثان للمائة المذكورة في الجملة الأولى ، غير أن هذه الجملة هي الفائدة المقصودة لعينها ، والجملة الأولى مقصودة لها ، لا أن مقصودها حصر الأسماء فيما ذكر ، وهذا كقول القائل : لزيد مائة دينار ، أعدها للصدقة ، لا يفهم من هذا : أنه ليس له مال غير المائة دينار ، وإنما يفهم أن هذه المائة هي التي أعدها للصدقة لا غيرها . وقد دل على أن لله أسماء أخر ما قدمناه من قوله صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك ، أو استأثرت به في علم الغيب عندك " و قوله : " فأحمده بمحامد لا أقدر عليها ، إلا أن [ ص: 17 ] يلهمنيها الله " . وقد بحث الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسنة ، فجمعوها في كتبهم ، كالخطابي ، والقشيري ، وغيرهما ، فمن أرادها وجدها . وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا ، وزاد فيه ذكر الأسماء وتعديدها إلى تسعة وتسعين ، وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث .

والإحصاء في الكلام على ثلاث مراتب ; أولها : العدد ، ومنه قوله تعالى : وأحصى كل شيء عددا [ الجن : 28 ] والثانية : بمعنى الفهم ، ومنه يقال : رجل ذو حصاة ; أي : ذو لب وفهم ، ومنه سمي العقل : حصاة ، قال كعب بن سعد الغنوي :


وأن لسان المرء ما لم يكن له حصاة على عوراته لدليل

والثالثة : بمعنى الإطاقة على العمل والقوة ، ومنه قوله تعالى : علم أن لن تحصوه [ المزمل : 20 ] أي : لن تطيقوا العمل بذلك ، والمرجو من كرم الله تعالى ، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية ، أن يدخله الله الجنة ، لكن المرتبة الأولى : هي مرتبة أصحاب اليمين ، والثانية : للسابقين ، والثالثة : للصديقين ، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها ، والمحافظة على حدودها ، والاتصاف بقدر الممكن منها ، كما أشار إليه الطوسي في " المقصد الأسنى " .

و (قوله : " والله وتر يحب الوتر ") قد تقدم أن الوتر : الفرد ، والشفع : الزوج ، وأن معنى وحدانية الله تعالى : أنه واحد في ذاته فلا انقسام له ، وواحد في إلهيته ، فلا نظير له ، وواحد في ملكه وملكه فلا شريك له [ ص: 18 ] و (قوله : " يحب الوتر ") ظاهره : أن الوتر هنا للجنس ، لا معهود جرى ذكره يحمل عليه ، فيكون معناه على هذا : أنه يحب كل وتر شرعه ، وأمر به ، كالمغرب ، فإنها وتر صلاة النهار ، ووتر صلاة الليل ، وكالصلوات الخمس ، فإنها وتر ، وكالوتر في مرار الطهارة ، وغسل الميت ، ونحو هذا مما شرع فيه الوتر ، ومعنى محبته لهذا النوع : أنه أمر به ، وأثاب عليه . ويصلح ذلك للعموم لما خلقه وترا من مخلوقاته ، كالسماوات السبع والأرضين السبع ، والذراري السبع ، وكآدم الذي خلقه من تراب ، وعيسى الذي خلقه من غير أب ، وهكذا كل ما خلقه الله وترا من مخلوقاته ، ومعنى محبته لهذا النوع أنه خصصها بذلك لحكم علمها ، وأمور قدرها . ويحتمل أن يريد بذلك الوتر واحدا بعينه ، فقيل : هو صلاة الوتر ، وقيل : يوم الجمعة ، وقيل : يوم عرفة ، وقيل : آدم ، وقيل غير ذلك . وقيل : يحتمل أن يكون معناه منصرفا إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد على سبيل الإخلاص والاختصاص .

قلت : وهذه الأقوال كلها متكافئة ، وأشبه ما تقدم : حمله على العموم ، وقد ظهر لي وجه ، وأرجو أن يكون أولى بالمقصود ، وهو أن الوتر يراد به التوحيد ، فيكون معناه : إن الله تعالى في ذاته وكماله وأفعاله واحد ، ويحب التوحيد ، أي : يوحد ويعتقد انفراده دون خلقه ، فيلتئم أول الحديث وآخره ، وظاهره وباطنه .

التالي السابق


الخدمات العلمية