المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
4949 [ 2669 ] وعنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رجل - لم يعمل حسنة قط - لأهله إذا مات فحرقوه ، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين ، فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم ، فأمر الله البر فجمع ما فيه ، وأمر البحر فجمع ما فيه ، ثم قال : لم فعلت هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب وأنت أعلم ، فغفر الله له .

رواه البخاري (7506) ، ومسلم (2756) (24) .


و (قوله : " قال رجل لم يعمل خيرا قط ") هذه الرواية فيها توسع في العبارة ; لأنا نعلم قطعا أن هذا الرجل كان متدينا بدين حق ، ومن كان كذلك لا بد أن يعمل حسنة : صوما ، أو صلاة ، أو تلفظا بخير ، أو شيئا من الخير الذي تقتضيه شريعته ، وإنما الرجل كان خطاء ، كثير المعاصي ، وقد نص على هذا المعنى في رواية أخرى في الأصل فقال : " أسرف رجل على نفسه ، فلما حضرته الوفاة . . . " وذكر الحديث .

[ ص: 75 ] و (قوله : " لئن قدر الله عليه ليعذبنه ") الرواية التي لا يعرف غيرها : (قدر) بتخفيف الدال ، وظاهر هذا اللفظ أنه شك في كون الله تعالى يقدر على إحيائه وإعادته ، ولذلك أمر أهله أن يحرقوه ، ويسحقوه ، ويذروا نصفه في البر ونصفه في البحر ، فكأنه توقع إذا فعل به ذلك تعذرت إعادته . وقد أوضح هذا المعنى ما رواه بعض الرواة في غير كتاب مسلم قال : " فلعلي أضل الله " أي : أغيب عنه . وهذا ظاهر في شك الرجل في علم الله تعالى ، والأولى ظاهرة في شكه في أنه تعالى يقدر على إعادته ، ولما كان هذا ، انقسم الناس في تأويل هذا الحديث قسمين : القسم الأول طائفة حملت ذلك على ظاهره ، وقالوا : إن هذا الرجل جهل صفتين من صفات الله تعالى وهما : العلم والقدرة ، ومن جهل ذلك لم يخرج من اسم الإيمان ، بخلاف من جحدها ، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري ، مع أنه قد كان تقدم له قول آخر بأنه مكفر . وهو مذهب الطبري .

قلت : وهذه الطائفة انصرفت عن معنى الحديث إلى معنى آخر ، اختلف فيه المتكلمون . وهو تكفير من اعترف بأن الله قادر بلا قدرة ، وعالم بلا علم ، ومريد بلا إرادة ، فهل يكفر أم لا يكفر ؟ على اختلاف القولين المتقدمين . ولا يختلف المسلمون في أن من جهل أو شك في كون الباري تعالى عالما به وقادرا على إعادته كافر ، حلال الدم في الدنيا ، مخلد في النار في الآخرة ; لأن ذلك معلوم من الشرع بالضرورة ، وجحده أو الشك فيه تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم قطعا .

فمقتضى الحديث بظاهره أن الرجل كافر على مقتضى شريعتنا . ولذلك قالت طائفة : فلعل شرع ذلك الرجل لم يكن فيه الحكم بتكفير من جهل ذلك ، أو شك فيه ، والتكفير حكم من الأحكام الشرعية ، فيجوز أن تختلف الشرائع فيه ، كما قال تعالى : لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا [ المائدة : 48 ]

[ ص: 76 ] قلت : وهذا فيه نظر ; لأن هاتين القاعدتين من ضروريات الشرائع ، إذ لا تصح شريعة مع الجهل بأن الله عالم قادر مريد ، ولا مع الشك فيها ، فلا بد أن تنص الرسل لقومهم على هذه الصفات ، مع أن العقول تدل عليها ، فيكون العلم بها ضروريا من كل الشرائع ، كما كان ذلك ضروريا في شرعنا ، فيكون جاحد ذلك والشاك فيه مكذبا لرسوله ، وتكذيب الرسل كفر في كل شرع بالضرورة .

وقالت طائفة ثالثة : يجوز أن تكون شريعة أولئك القوم أن الكافر يغفر له ، فإن هذا جائز عقلا ، فلا يبعد أن يكون ذلك شرعا مع القطع بأن ذلك لا يصح في شرعنا ، ومن شك فيه فهو كافر .

قلت : وهذا يتطلب أيضا أحاديث الشفاعة المتقدمة في الإيمان ، فإنها تقتضي أن أهل التوحيد المعذبين في النار إذا شفع فيهم أنبياؤهم ، وشفع نبينا صلى الله عليه وسلم حتى لا يبقى أحد من أمته في النار قال حينئذ نبينا : يا رب ! ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله ، فيقول الله له : ليس ذاك إليك ، فحينئذ يقول الله : وعزتي وجلالي لأخرجن من قال لا إله إلا الله . وعمومات القرآن تدل على أن من مات كافرا ، كائنا من كان ، لا يخرج من النار ، ولا تناله شفاعة شافع .

القسم الثاني : قالوا : إنه لم يكن جاهلا بصفة من صفات الله تعالى ، ولا شاكا في شيء منها ، وتأولوا الحديث تأويلات :

أحدها : أن الرجل صدر عنه ما صدر حالة خوف غالب عليه ، فغلط ، فلم [ ص: 77 ] يؤاخذ بقوله ذلك ، كما لم يؤاخذ القائل : " اللهم أنت عبدي وأنا ربك " .

وثانيها : أن هذا جار على نحو ما قد جرى في كلام العرب البليغ مما يسميه أهل النقد : تجاهل العارف ، وسماه ابن المعتز : مزج الشك باليقين ، وهو نحو قوله تعالى : لعله يتذكر أو يخشى [ طه : 44 ] وقوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ سبأ : 24 ] ، وكقول الشاعر :


أيا ظبية الوعساء بين جلاجل وبين النقا أأنت أم أم سالم

وقد علم أنها هي . ومثله كثير .

وثالثها : أن " قدر " معناه : " ضيق " . يعني أن الله تعالى إن ناقشه الحساب وضيقه عليه ليعذبنه أشد العذاب ، ومنه قوله تعالى : ومن قدر عليه رزقه [ الطلاق : 7 ] أي : ضيق عليه ، وهذا التأويل حسن ، لكنه يخص لفظ قدر ، والتأويل الأول أولى لأنه يعم : (قدر) ، و (لعلي أضل الله) ويشهد لكون هذا الحديث مؤولا ، وليس على ظاهره قوله في آخر الحديث حين قال الله له : " ما حملك على ما صنعت ؟ فقال : خشيتك يا رب " . فلو كان جاهلا بالله أو بصفاته ، لما خافه ، ولما عمل شيئا لله ، والله تعالى أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية