المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
5129 (41)

كتاب الفتن وأشراط الساعة

(1) باب

إقبال الفتن ونزولها

كمواقع القطر ومن أين تجيء

[ 2777 ] عن زينب بنت جحش - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فزعا محمرا وجهه يقول : لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ، وحلق بإصبعيه : الإبهام والتي تليها .

قالت : فقلت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث .


رواه أحمد (7 \ 428) ، والبخاري (3346) ، ومسلم (2880) (2) ، والترمذي (2187) ، وابن ماجه (3953) .


[ ص: 206 ] (41)

كتاب الفتن والأشراط

[ (1) باب إقبال الفتن ونزولها كمواقع القطر ، ومن أين تجيء ]

(قوله صلى الله عليه وسلم : " ويل للعرب من شر قد اقترب ") هذا تنبيه على الاختلاف والفتن والهرج الواقع في العرب ، وأول ذلك قتل عثمان - رضي الله عنه - ولذلك أخبر عنه بالقرب ، ثم لم يزل كذلك إلى أن صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة ،

[ ص: 207 ] كما قال في الحديث الآخر : " أوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها " . قال ذلك مخاطبا للعرب ، ولهم خاطب أيضا بقوله : " إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر " .

و (قوله : " فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه ") الردم : هو السد الذي بناه ذو القرنين على يأجوج ومأجوج ، ويهمزان ولا يهمزان لغتان . وقرئ بهما ، فمن همزهما جعلهما من أجيج النار ، وهو ضوءها وحرارتها ، وسموا بذلك لكثرتهم وشدتهم ، وقيل : من الأجاج ، وهو الماء الشديد الملوحة ، وقيل : هما اسمان أعجميان غير مشتقين . قال مقاتل : هم من ولد يافث بن نوح -عليه السلام - الضحاك : من الترك . كعب : احتلم آدم - عليه السلام - فاختلط ماؤه بالتراب فأسف ، فخلقوا من ذلك ، وفيه نظر ; لأن الأنبياء لا يحتلمون . وذكر الغزنوي في كتابه المسمى بعيون المعاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يأجوج أمة لها أربعمائة أمير ، وكذلك مأجوج ، لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من ولده . صنف منهم كالأرز طولهم مائة وعشرون ذراعا ، وصنف يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى ، لا يمرون بفيل ولا خنزير إلا أكلوه ، ويأكلون من مات منهم . مقدمتهم بالشام وساقتهم بخراسان ، يشربون أنهار المشرق ، وبحيرة طبرية ، فيمنعهم الله من مكة والمدينة وبيت المقدس " . وقال علي - رضي الله عنه - : وصنف منهم في طول شبر ، لهم مخالب وأنياب السباع ، وتداعي الحمام ، وتسافد البهائم ، وعواء الذئب ، وشعور تقيهم الحر والبرد ، وآذان عظام ، إحداها وبرة يشتون فيها ، والأخرى جلدة يصيفون فيها ، يحفرون السد حتى كادوا ينقبونه ، فيعيده الله كما كان ، حتى يقولوا : ننقبه غدا - إن شاء الله - فينقبون ويخرجون ، [ ص: 208 ] ويتحصن الناس بالحصون ، فيرمون إلى السماء ، فيرد إليهم السهم ملطخا بالدم ، ثم يهلكهم الله بالنغف في رقابهم ، يعني : الدود .

قلت : وسيأتي من أخبارهم الصحيحة ما يشهد بالصحة لأكثر هذين الحديثين .

و (قوله : " مثل هذه - وحلق بأصبعيه : الإبهام والتي تليها - ") هذا إخبار وتفسير من الصحابة التي شاهدت إشارة النبي صلى الله عليه وسلم . ثم إن الرواة بعدهم عبروا عن ذلك باصطلاح الحساب ، فقال بعضهم : وعقد سفيان بيده عشرة ، وقال بعضهم : وعقد وهيب بيده تسعين ، وهذا تقريب في العبارة . والحاصل : أن الذي فتحوا من السد قليل ، وهم مع ذلك لم يلهمهم الله أن يقولوا : غدا نفتحه إن شاء الله تعالى ، فإذا قالوها خرجوا ، والله أعلم .

و (قوله : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : " نعم إذا كثر الخبث ") رويناه بفتح الباء وهو اسم للزنى . قال القاضي : العرب تسمي الزنى خبثا وخبيثة ، ومنه في المخدج : أنه وجد مع أمة يخبث بها ، أي : يزني بها ، وهو أحد التأويلين في قوله تعالى : الخبيثات للخبيثين [ النور : 26 ] وقيل : هو الفسوق والفجور ، ويروى : الخبث ، بسكون الباء ، وهو مصدر ، يقال : خبث الرجل خبثا ، فهو [ ص: 209 ] خبيث ، وأخبثه غيره : علمه الخبث . وقد تقدم أن الله تعالى إذا أهلك قوما مهلكا واحدا بعثهم على نياتهم .

التالي السابق


الخدمات العلمية