المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
476 [ 247 ] وعن ميمونة ; قالت : أدنيت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسله من الجنابة ، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثا ، ثم أدخل يده في الإناء ، ثم أفرغ به على فرجه ، وغسله بشماله ، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكا شديدا ، ثم توضأ وضوءه للصلاة ، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ، ثم غسل سائر جسده ، ثم تنحى عن مقامه ذلك ، فغسل رجليه ، ثم أتيته بالمنديل فرده .

وفي رواية : ثم أتي بمنديل ، فلم يمسه ، وجعل يقول بالماء هكذا ، يعني ينفضه .

وفي أخرى : وصف الوضوء كله ، يذكر المضمضة والاستنشاق فيه .

رواه البخاري ( 257 ) ، ومسلم ( 317 ) ، وأبو داود ( 245 ) ، والترمذي ( 103 ) ، والنسائي ( 1 \ 137 ) .


وفي حديث ميمونة : " ثم تنحى عن مقامه فغسل رجليه " ، استحب بعض العلماء أن يؤخر غسل رجليه على ظاهر هذه الأحاديث ، وذلك ليكون الافتتاح والاختتام بأعضاء الوضوء .

وقد روي عن مالك : ليس العمل على تأخير غسل الرجلين ، وليتم وضوءه في أول غسله ، فإن أخرهما [ ص: 578 ] أعاد وضوءه عند الفراغ ، وكأنه رأى أن ما وقع هنا كان لما ناله من تلك البقعة ، وروي عنه : أنه واسع ، والأظهر الاستحباب ; لدوام النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعل ذلك .

و (في حديث ميمونة أنه أتي بالمنديل فرده ) يتمسك به من كره التمندل بعد الوضوء والغسل ، وبه قال ابن عمرو ، وابن أبي ليلى ، وإليه مال أصحاب الشافعي رحمه الله ، وقال : هو أثر عبادة فتكره إزالته ، كدم الشهيد ، وخلوف فم الصائم ، ولا حجة في الحديث ; لاحتمال أن يكون رده إياه لشيء رآه في المنديل ، أو لاستعجاله للصلاة ، أو تواضعا ، أو مجانبة لعادة المترفهين .

وأما القياس فلا نسلمه ; لأنا نمنع الحكم في الأصل ; إذ الشهيد يحرم غسل دمه ، لا يكره ، ولا تكره إزالة الخلوف بالسواك ، وروي عن ابن عباس أنه يكره التمندل في الوضوء دون الغسل . والصحيح أن ذلك واسع ، كما ذهب إليه مالك ، تمسكا بعدم الناقل عن الأصل . وأيضا فقد روي عن عائشة : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء ، ومن حديث معاذ : " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح وجهه من وضوئه بطرف ثوبه " ، ذكرهما الترمذي ، وقال : لا يصح في الباب شيء .

و (قولها : " وجعل يقول بالماء هكذا ") تعني : ينفضه ، رد على من كره [ ص: 579 ] التمندل ، وقال : لأن الوضوء نور ، إذ لو كان كما قال لما نفضه عنه ; لأن النفض كالمسح في إتلاف ذلك الماء .

و (قولها : " إن النبي - صلى الله عليه وسلم - تمضمض واستنشق في الغسل ") متمسك لأبي حنيفة في إيجابه المضمضة والاستنشاق في الوضوء والغسل ، وقد تكلمنا على ذلك في الوضوء ، ولا متمسك له فيه هاهنا ; للاتفاق على أن هذا الوضوء في أول الغسل ليس بواجب ، بل مندوب ; ولأن المأمور به في الغسل ظاهر جلد الإنسان لا باطنه ; لقوله - عليه الصلاة والسلام - : " فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر " ، والبشر : ظاهر جلد الإنسان المباشر .

التالي السابق


الخدمات العلمية