المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
5013 [ 2912 ] وعن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر مرتين .

وفي رواية : انشق القمر فرقتين .

رواه البخاري (4867) ، ومسلم (2802) (46 و 47) ، والترمذي (3282) .


[ ص: 403 ] (26) ومن سورة القمر

(قوله : انفلق القمر ) أي : انشق نصفين ، أي : وقع ذلك الانشقاق على حقيقته ، ووجد ذلك بمكة بمنى ، بعد أن سألت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ، فأراهم انشقاقه ، على نحو ما ذكر ، ثم إن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالا ، فقال : وكانت فلقة وراء الجبل ، وفلقة دونه . وفي رواية : فستر الجبل فلقة ، وكانت فلقة فوق الجبل ، ونحو ذلك . قال ابن عمر - رضي الله عنهما - وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة - رضي الله عنهم ، منهم : عبد الله بن مسعود ، وأنس ، وابن عباس ، وابن عمر ، وحذيفة ، وعلي ، وجبير بن مطعم ، وغيرهم . وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين ، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير ، إلى أن انتهى ذلك إلينا ، وفاضت أنواره علينا ، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان ، فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحد من العاقلين . وقد استبعد هذا كثير من الملحدة وبعض أهل الملة من حيث إنه لو كان كذلك للزم مشاركة جميع أهل الأرض في إدراك ذلك .

[ ص: 404 ] والجواب : إن هذا إنما كان يلزم لو استوى أهل الأرض في إدراك مطالعه في وقت واحد ، وليس الأمر كذلك ، فإنه يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين ، فقد يكون الكسوف عند قوم ، ولا يكون عند آخرين ، وأيضا : فإنما كان يلزم ذلك لو طال زمان الانشقاق ، وتوفرت الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه ، ولم يكن شيء من ذلك ، وإنما كان ذلك في زمن قصير شاهده من نبه له ، وذلك أن أهل مكة طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم انشقاق القمر ، فخرج بهم إلى منى ، فأراهم انشقاق القمر . فلما أراهم الله ذلك قال : " اشهدوا " . فقالت قريش : هذا سحر . فقال بعضهم لبعض : إن كان محمد سحرنا ، فما يبلغ سحره إلى الآفاق ، فابعثوا إلى أهل الآفاق ، فبعثوا إلى آفاق مكة ، فأخبروهم أنهم عاينوا ذلك . هكذا نقل النقلة ، وكم من نجم ينقض وصاعقة تنزل ، وهو سمائي يختص بمشاهدته بعض الناس دون بعض ، ثم إنها كانت آية ليلية ، وعادة الناس في الليل كونهم في بيوتهم نائمين ، ومعرضين عن الالتفات إلى السماء إلا الآحاد منهم ، وقد يكون منهم من شاهد ذلك ، فظنه سحابا حائلا ، أو خيالا حائلا ، وعلى الجملة فالموانع من ذلك لا تنحصر ، ولا تنضبط ، والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول : لا بعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت ، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة ، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته ، كحنين الجذع ، وتسبيح الحصى ، وكلام الشجر ، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم ، كما قد نقلنا ذلك في كتابنا المسمى : بكتاب " الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام " وإثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 405 ] وهذا الكلام خاص للمنكر للانشقاق من أهل الإسلام ، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة ، وقد تأول من أنكر وقوع انشقاق القمر من الإسلاميين قوله تعالى : وانشق القمر [ القمر : 1 ] بمعنى : ينشق في القيامة ، وممن حكي عنه هذا التأويل : الحسن البصري . وتأول غيره (انشق) : تحقق الأمر ووضح ، وقال آخر : انشق الظلام عنه بطلوعه .

قلت : وهذه تحريفات لا تأويلات . والحسن البصري أعلم وأفضل من أن يذهب إلى شيء من ذلك ، لا سيما مع شهرة القضية ، وكثرة الرواة لها ، واستفاضتها ، وعلمه هو بالأخبار ، وسلوكه طريق الصحابة والأخيار ، وقد أدرك منهم جملة صالحة ، وحصلت له بهم صفقة رابحة .

و (قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فهل من مدكر [ القمر : 15 ] بالدال ، وعليها الجماعة ، ومدكر : اسم فاعل من : اذدكر ; أي : تذكر ، أدغمت الذال في الدال .

و (قوله : ولقد يسرنا القرآن للذكر [ القمر : 17 ] أي : للحفظ ، فليس شيء من الكتب يحفظ كحفظ القرآن . والمدكر : المتعظ . وقيل : المزدجر . وقيل : المتحفظ .

التالي السابق


الخدمات العلمية