المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
516 [ 266 ] وعن المسور بن مخرمة ; قال : أقبلت بحجر ، أحمله ، ثقيل . وعلي إزار خفيف . قال : فانحل إزاري ومعي الحجر . لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ارجع إلى ثوبك فخذه ، ولا تمشوا عراة .

رواه مسلم ( 341 ) ، وأبو داود ( 4016 ) .


[ ص: 596 ] (31) ومن باب سترة المغتسل

(قوله : " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة ") لا خلاف في تحريم النظر إلى العورة من الناس بعضهم إلى بعض ، ووجوب سترها عنهم إلا الرجل مع زوجته أو أمته ، واختلف في كشفها في الانفراد ، وحيث لا يراه أحد ، ولا خلاف أن السوأتين من الرجل والمرأة عورة ، واختلف فيما عدا ذلك من الركبة إلى السرة من الرجل هل هو عورة أم لا ؟ ولا خلاف أن إبداءه لغير ضرورة قصدا ليس من مكارم الأخلاق . ولا خلاف أن ذلك من المرأة عورة على النساء والرجال ، وأن الحرة عورة ما عدا وجهها وكفيها على غير ذوي المحارم من [ ص: 597 ] الرجال ، وسائر جسدها على المحارم ، ما عدا شعرها ورأسها وذراعيها وما فوق نحرها .

واختلف في حكمها مع النساء ، فقيل : جسدها كله عورة ، فلا يرى النساء منها إلا ما يراه ذو المحرم . وقيل : حكم النساء مع النساء حكم الرجال مع الرجال إلا مع نساء أهل الذمة ، فقيل : حكمهن في النظر إلى أجساد المسلمات حكم الرجال ; لقوله تعالى : أو نسائهن [ النور : 31 ] ، على خلاف بين المفسرين في معناه .

وحكم المرأة فيما تراه من الرجل حكم الرجل فيما يراه من ذوي محارمه من النساء . وقد قيل : حكم المرأة فيما تراه من الرجل كحكم الرجل فيما يراه من المرأة ، والأول أصح .

وأما الأمة : فالعورة منها ما تحت ثدييها ، ولها أن تبدي رأسها ومعصمها . وقيل : حكمها حكم الرجال . وقيل : يكره لها كشف معصمها ورأسها وصدرها ، وكان عمر يضرب الإماء على تغطية رؤوسهن ، ويقول : لا تتشبهن بالحرائر .

وحكم الحرائر في الصلاة : ستر جميع أجسادهن إلا الوجه والكفين . وهذا قول مالك والشافعي والأوزاعي وأبي ثور وكافة السلف وأهل العلم . وقال أحمد بن حنبل : لا يرى منها شيء ولا ظفرها . ونحوه قول أبي بكر بن عبد الرحمن . وأجمعوا : أنها إن صلت مكشوفة الرأس كله أن عليها إعادة الصلاة . واختلفوا في بعضه ، فقال الشافعي وأبو ثور : تعيد ، وقال أبو حنيفة : إن انكشف أقل من ثلثه لم تعد ، وكذلك أقل من ربع بطنها ، أو فخذها . وقال أبو يوسف : لا تعيد في أقل من النصف . وقال مالك : تعيد في القليل والكثير من ذلك في [ ص: 598 ] الوقت . واختلف عندنا في الأمة تصلي مكشوفة البطن هل يجزئها أو لا بد من سترها جسدها ؟ وقال أبو بكر بن عبد الرحمن : كل شيء من الأمة عورة حتى ظفرها .

قال الشيخ - رحمه الله - : العورة في أصل الوضع : هي ما يستحى من الاطلاع عليه ، ويلزم منه عار .

و (قوله : " لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا المرأة إلى المرأة ") أي : لا يخلوان كذلك ليباشر أحدهما عورة الآخر ويلمسها ، ولمسها محرم ، كالنظر إليها ، وأما إذا كانا مستوري العورة بحائل بينهما فذلك من النساء محرم على القول بأن جسد المرأة على المرأة كله عورة ، وحكمها على القول الآخر ، وحكم الرجال الكراهية ، وهذا لعموم النهي عنه ، وصلاحية إطلاق لفظ العورة على ما ذكر مما اختلف فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية