المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي - ضياء الدين أحمد بن عمر القرطبي

صفحة جزء
997 [ 513 ] ومن حديث عبد الله ، قال : حبس المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : شغلونا . . . . وذكر نحوه .

رواه أحمد (1 \ 403 - 404)، ومسلم (628)، وابن ماجه (686) .


[ ص: 253 ] (69) ومن باب : ما جاء في الصلاة الوسطى

قوله : شغلونا عن الصلاة الوسطى : اختلفوا في الصلاة الوسطى ، فقيل : هي مبهمة ليحافظ على الصلوات كلها . وقيل : الجمعة . وقيل : الصلوات الخمس ، قاله معاذ ، قال : لأنها أوسط الدين . وقال ابن عباس : هي الصبح ، ووافقه مالك والشافعي . وقال زيد بن ثابت ، وعائشة ، وأبو سعيد الخدري : هي الظهر ، وقال علي بن أبي طالب : هي العصر ، ووافقه أبو حنيفة ، وقال قبيصة بن ذؤيب : هي المغرب . وقال غيره : هي العتمة . وأضعف هذه الأقوال من قال : هي الصلوات كلها ; لأن ذلك يؤدي إلى خلاف عادة الفصحاء من أوجه :

أحدها : أن الفصحاء لا يذكرون شيئا مفصلا مبينا ، ثم يذكرونه مجملا ، وإنما عادتهم أن يشيروا إلى مجمل أو كلي ، ثم يفصلوه ; كقوله تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان [ الرحمن : 68] وقد قال الله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [ البقرة : 238] والصلوات : مبين ، والصلاة الوسطى : مجمل .

وثانيها : أن الفصحاء لا يطلقون لفظ الجمع ويعطفون عليه أحد مفرداته ، ويريدون بذلك المفرد ذلك الجمع ، فإن ذلك في غاية العي والإلباس .

وثالثها : أنه لو أراد بالصلاة الوسطى : الصلوات ; لكان كأنه قال : حافظوا على الصلوات والصلوات . ويريد بالثاني : الأول ، ولو كان كذلك لما كان فصيحا في لفظه ، ولا صحيحا في معناه ; إذ لا يحصل باللفظ الثاني تأكيد للأول ; لأنه [ ص: 254 ] معطوف ، ولا يفيد معنى آخر ، فيكون حشوا . وحمل كلام الله تعالى على شيء من هذه الثلاثة غير مسوغ ولا جائز . وسبب اختلاف العلماء القائلين بالتعيين : صلاحية " الوسطى " لأن يراد بها : التوسط في العدد أو في الزمان . فإن راعينا أعداد الركعات ، أدى إلى أنها المغرب ; لأن [أكثر] أعداد الصلوات أربع ركعات ، وأقلها ركعتان ، وأوسطها ثلاث ، وهي المغرب . وإن راعينا [أعداد الصلوات أنفسها ، فما من صلاة إلا وهي متوسطة بين شفعين ; إذ الصلوات خمس . وإن راعينا] الأوسط من الزمان ; كان الأبين : أنها الصبح ; لأنها بين صلاتي نهار محقق ، وهما الظهر والعصر ، وبين صلاتي ليل محقق وهما : المغرب والعشاء . فأما وقت الصبح فوقت متردد بين النهار والليل . قلت - والله أعلم - : لا يصلح هذا الذي ذكر أن يكون سببا في الخلاف فيها ; إذ لا مناسبة لما ذكر ، لكون هذه الصلاة أفضل أو أوكد من غيرها . أما أعداد الركعات ، فالمناسب هو أن تكون الرباعية أفضل ; لأنها أكثر ركعات وأكثر عمل . والقاعدة : أن ما كثر عمله كثر ثوابه . وأما مراعاة أعداد الصلوات ; فيلزم منه أن تكون كل صلاة هي الوسطى ، وهو الذي أبطلناه ، وأيضا فلا مناسبة بين ذلك وبين أكثرية الثواب . وأما اعتبارها من حيث الأزمان فغير مناسب أيضا ; لأن نسبة الصلوات إلى الأزمان كلها من حيث الزمانية واحدة ، فإن فرض شيء يكون في بعض الأزمان ، فذلك لأمر خارج عن الزمان . والذي يظهر لي : أن السبب في اختلافهم فيها : اختلافهم في مفهوم الكتاب والسنة الواردة في ذلك المعنى ، ونحن نتكلم على ما ورد في ذلك بحسب ما يقتضيه مساق الكلام وصحيح الأحاديث إن شاء الله تعالى ، فنقول : إن قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [ البقرة : 238 ] هو من باب قوله [ ص: 255 ] تعالى : فيهما فاكهة ونخل ورمان [ الرحمن :68 ] وقوله : من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال [ البقرة : 98] فخص الرمان والنخل ، وجبريل وميكال بالذكر ; وإن كانوا قد دخلوا فيما قيل بحكم العموم تشريفا وتكريما . وإذا كان ذلك كذلك ، فلهذه الصلاة المعبر عنها بالوسطى شرفية وفضيلة ليست لغيرها ، غير أن هذه الصلاة الشريفة لم يعينها الله تعالى في القرآن ، فوجب أن يبحث عن تعيينها في السنة ، فبحثنا عن ذلك فوجدنا ما يعينها . وأصح ما في ذلك : أنها العصر على ما في حديث علي ، وأنص ذلك ما ذكره الترمذي وصححه . وهو قوله - عليه الصلاة والسلام - : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " ، وهذا نص في الغرض ، غير أنه قد جاء ما يشعث التعويل عليه ، وهو ما ذكره البراء بن عازب ; وذلك أنه قال : نزلت هذه الآية : " حافظوا على الصلوات وصلاة العصر " ، فقرأناها ما شاء الله ، ثم نسخها الله فنزلت : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [ البقرة : 238] فلزم من هذا : أنها بعد أن عينت نسخ تعيينها وأبهمت ، فارتفع التعيين ، ولم يمكنا أن نتمسك بالأحاديث المتقدمة ، فلما أبهم أمر تعيينها ، أخذ العلماء يستدلون على تعيينها بما ظهر لكل واحد منهم بما يناسب الأفضلية . فذهب مالك وأهل المدينة : إلى أن الصبح أولى بذلك ; لكونها تأتي في وقت نوم وركون إلى الراحة ، واستصعاب الطهارة ، فتكثر المشقة في المحافظة عليها أكثر من غيرها ، فتكون هي الأحق بكونها أفضل . وأيضا : فإنه وقت يتمكن الإنسان فيه من إحضار فهمه وتفرغه للصلاة ; لأن علاقات الليل قد انقطعت بالنوم ، وأشغال النهار بعد لم تأت ; ولذلك قال تعالى : إن قرآن الفجر كان مشهودا [ الإسراء :78 ] ; أي : يحضره القارئ بفراغ ذهنه ، على أحد التأويلات ، وهو [ ص: 256 ] أحسنها ، وبنحو من هذا يستدل لسائرها من الصلوات ، إلا أن الصبح أدخل في هذا المعنى . وعلى الجملة فهذا النحو هو الذي يمكن أن يكون باعثا لكل من المختلفين على تعيين ما عينه من الصلوات بحسب ما غلب على ظنه من أرجحية ما عين . والذي يظهر لي بعد أن ثبت نسخ التعيين : أن القول قول من قال : إن الله أخفاها في جملة الصلوات ، ليحافظ على الكل ، كما فعل في ليلة القدر وساعة الجمعة ، والله تعالى أعلم .

وقوله : " شغلونا " : يحتمل : أنه نسيها لشغله بالعدو ، ويحتمل : أن يكونوا لم يمكنوه منها ، ولم يفرغوه لفعلها ، ويحتمل : أن يكون أخرها قصدا لأجل شغله بالعدو ، وعلى هذا يكون هذا التأخير لأجل القتال مشروعا ، ثم نسخ بصلاة الخوف . وقد ذهب مكحول والشاميون : إلى جواز تأخير صلاة الخوف إذا لم يكن أداؤها معه في الوقت إلى وقت الأمن . والصحيح الذي عليه الجمهور : أن يؤخرها ويصليها على سنتها ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى .

وقوله : ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء ; ظاهر هذا أنه صلى العصر المتروكة بعد أن صلى المغرب ، وليس بصحيح بدليل ما جاء في حديث جابر ، قال : فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العصر بعدما غربت الشمس ، ثم صلى بعدها المغرب . وهذا نص . وإنما أراد بقوله : بين العشاءين : بين وقتي العشاءين ، فإن [ ص: 257 ] التأخير كان منه إلى أن غربت الشمس ، ثم توضأ ، ثم أوقعها بعد الغروب قبل أن يصلي المغرب . وقد روى الترمذي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه : أن المشركين شغلوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله ، فأمر بلالا فأذن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ثم أقام فصلى المغرب ، ثم أقام فصلى العشاء . وبهذه الأحاديث استدل جميع العلماء على أن من فاتته صلوات قضاها مرتبة كما فاتته إذا ذكرها في وقت واحد . واختلفوا إذا ذكر صلاة فائتة في ضيق وقت حاضرة : هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة ؟ أو يبدأ بالحاضرة ؟ أو يتخير فيقدم أيتها شاء ؟ ثلاثة أقوال : وبالأول قال مالك والليث ، والزهري . وبالثاني قال الحسن وابن المسيب وفقهاء أصحاب الحديث وأصحاب الرأي والشافعي وابن وهب من أصحابنا . وبالثالث قال أشهب من أصحابنا . وهذا ما لم تكثر الصلوات ، فلا خلاف عند جميعهم - على ما حكاه القاضي عياض - : أنه يبدأ بالحاضرة مع الكثرة ، واختلفوا في مقدار اليسير ، فعن مالك : فقال : إن الخمس فدون من اليسير ، وقيل الأربع فدون ، ولم يختلف المذهب : أن الست كثير .

التالي السابق


الخدمات العلمية