صفحة جزء
( وترد صيغة افعل ) لمعان كثيرة . أحدها كونها ( لوجوب ) نحو قوله تعالى { أقم الصلاة لدلوك الشمس } وقوله صلى الله عليه وسلم { صلوا كما [ ص: 322 ] رأيتموني أصلي } ( و ) الثاني : ل ( ندب ) نحو قوله تعالى { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } فإنه للندب على الأصح من مذهب الإمام أحمد وجماعة من العلماء ، وعند داود الظاهري وجمع : أنه للوجوب . وقال في شرح التحرير : حمل الآية على الوجوب هو الصحيح من مذهب أحمد وأصحابه ، مع قوله في كتابه الإنصاف إن كون الكتابة مستحبة لمن علم فيه خير : المذهب بلا ريب ، وذكره عن جماهير الأصحاب ، فليعاود ذلك من أراده ( و ) الثالث : كونها بمعنى ( إباحة ) نحو قوله تعالى { وإذا حللتم فاصطادوا } وقوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } واعلم أن الإباحة إنما تستفاد من خارج .

فلهذه القرينة يحمل الأمر عليها مجازا بعلاقة المشابهة المعنوية . لأن كلا منهما مأذون فيه ( و ) الرابع : كونها بمعنى ( إرشاد ) نحو قوله سبحانه وتعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } وقوله تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم } وقوله تعالى { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } والضابط في الإرشاد : أنه يرجع إلى مصالح الدنيا ، بخلاف الندب ، فإنه يرجع إلى مصالح الآخرة ، وأيضا : الإرشاد لا ثواب فيه ، والندب فيه الثواب ( و ) الخامس : كونها بمعنى ( إذن ) نحو قول من بداخل مكان للمستأذن عليه : ادخل ، ومنهم من يدخل هذا في قسم الإباحة . وقد يقال : الإباحة إنما تكون من صيغ الشرع الذي له الإباحة والتحريم ، وإنما الإذن يعلم بأن الشرع أباح دخول ملك ذلك الآذن مثلا ، فتغايرا ( و ) السادس : كونها بمعنى ( تأديب ) نحو قوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن أبي سلمة في حال صغره { يا غلام : سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك } متفق عليه .

ومنهم من يدخل ذلك في قسم الندب . منهم البيضاوي . ومنهم من قال : يقرب من الندب ، وهو يدل على المغايرة . والظاهر . أن بينهما عموما وخصوصا من وجه ; لأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق ، وذلك أعم من أن يكون من مكلف ، أو غيره ; لأن عمر كان صغيرا . والندب مختص بالمكلفين ، وأعم من أن يكون من [ ص: 323 ] محاسن الأخلاق وغيرها ( و ) السابع : كونها بمعنى ( امتنان ) نحو قوله تعالى { وكلوا مما رزقكم الله } وسماه أبو المعالي : الإنعام . والفرق بينه وبين الإباحة : أن الإباحة مجرد إذن ، والامتنان لا بد فيه من اقتران حاجة الخلق لذلك وعدم قدرتهم عليه ، والعلاقة بين الامتنان والوجوب : المشابهة في الإذن إذ الممنون لا يكون إلا مأذونا فيه ( و ) الثامن : كونها بمعنى ( إكرام ) نحو قوله تعالى { ادخلوها بسلام آمنين } فإن قرينة بسلام آمنين يدل على الإكرام ( و ) التاسع : كونها بمعنى ( جزاء ) نحو قوله تعالى { ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون } ( و ) العاشر : كونها بمعنى ( وعد ) نحو قوله تعالى { وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون } { وقوله صلى الله عليه وسلم لبني تميم أبشروا } وقد يقال بدخول ذلك في الامتنان . فإن بشرى العبد منة عليه ( و ) الحادي عشر : كونها بمعنى ( تهديد ) نحو قوله تعالى { اعملوا ما شئتم } وقوله تعالى { واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم } ( و ) الثاني عشر : كونها بمعنى ( إنذار ) نحو قوله تعالى { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } وقد جعله قوم قسما من التهديد ، وهو ظاهر البيضاوي ، والصواب المغايرة . والفرق : أن التهديد هو التخويف ، والإنذار : إبلاغ المخوف . كما فسره الجوهري بهما . وقيل : الإنذار يجب أن يكون مقرونا بالوعيد كالآية والتهديد لا يجب فيه ذلك ، بل قد يكون مقرونا وقد لا يكون مقرونا وقيل : التهديد عرفا أبلغ في الوعيد والغضب من الإنذار ( و ) الثالث عشر : كونها بمعنى ( تحسير ) وتلهيف ، نحو قوله تعالى { قل موتوا بغيظكم } ومثله قوله تعالى { اخسئوا فيها ولا تكلمون } حكاه ابن فارس ( و ) الرابع عشر : كونها بمعنى ( تسخير ) نحو قوله تعالى { كونوا قردة خاسئين } والمراد بالتسخير هنا : السخرية بالمخاطب به ، لا بمعنى التكوين ، كما قاله بعضهم ( و ) الخامس عشر : كونها بمعنى ( تعجيز ) نحو قوله تعالى { فأتوا [ ص: 324 ] بسورة من مثله } والعلاقة بينه وبين الوجوب المضادة ; لأن التعجيز إنما هو في الممتنعات ، والإيجاب في الممكنات . ومثله قوله تعالى { فليأتوا بحديث مثله } ومثله بعضهم بقوله تعالى { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم } والفرق بين التعجيز والتسخير : أن التسخير نوع من التكوين فمعنى { كونوا قردة } انقلبوا إليها . وأما التعجيز : فإلزامهم أن ينقلبوا ، وهم لا يقدرون أن ينقلبوا . قال ابن عطية في تفسيره : في التمسك بهذا نظر . وإنما التعجيز حيث يقتضي الأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب نحو قوله تعالى { فادرءوا عن أنفسكم الموت } ( و ) السادس عشر : كونها بمعنى ( إهانة ) نحو قوله تعالى { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ومنهم من يسميه التهكم . وضابطه : أن يؤتى بلفظ ظاهره الخير والكرامة ، والمراد ضده ، ويمثل بقوله تعالى { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك } والعلاقة أيضا فيهما المضادة ( و ) السابع عشر : كونها بمعنى ( احتقار ) نحو قوله تعالى في قصة موسى عليه السلام يخاطب السحرة { ألقوا ما أنتم ملقون } إذ أمرهم في مقابلة المعجزة حقير ، وهو مما أورده البيضاوي ، والفرق بينه وبين الإهانة : أن الإهانة إما بقول أو فعل أو تقرير . كترك إجابته أو نحو ذلك ، لا بمجرد اعتقاد . والاحتقار : قد يكون بمجرد الاعتقاد . فلهذا يقال في مثل ذلك : احتقره ، ولا يقال : أهانه ( و ) الثامن عشر : كونها بمعنى ( تسوية ) نحو قوله تعالى { فاصبروا أو لا تصبروا } بعد قوله تعالى { اصلوها } أي هذه التصلية لكم ، سواء صبرتم أو لا .

فالحالتان سواء ، والعلاقة المضادة . لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة لوجوب الفعل . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه { فاختص على ذلك أو ذر } رواه البخاري ( و ) التاسع عشر : كونها بمعنى ( دعاء ) نحو قوله تعالى { ربنا اغفر لي ولوالدي } { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } وكله طلب أن يعطيهم ذلك على وجه التفضل والإحسان . والعلاقة بينه وبين الإيجاب طلب أن يقع ذلك لا محالة ( و ) العشرون : كونها بمعنى ( تمن ) كقول امرئ القيس

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي

[ ص: 325 ] وإنما حمل على التمني دون الترجي ; لأنه أبلغ . لأنه نزل ليله لطوله منزلة المستحيل انجلاؤه . كما قال الآخر

وليل المحب بلا آخر

قال بعضهم ; والأحسن تمثيل هذا كما مثله ابن فارس لشخص تراه : كن فلانا . وفي الحديث : { قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو على طريق تبوك كن أبا ذر ورأى آخر فقال : كن أبا خيثمة } لأن امرأ القيس قد يدعي استفادة التمني منه من " ألا " لا من صيغة افعل ، بخلاف هذا المثال . وقد يقال : إن " ألا " قرينة إرادة التمني بافعل ، وأما " كن فلانا " فليس أن يكون إياه ، بل الجزم به ، وأن ينبغي أن يكون ذلك فلما احتمل أن هذا في المثالين . ذكرتهما ( و ) الحادي والعشرون : كونها بمعنى ( كمال القدرة ) نحو قوله تعالى { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } هكذا سماه الغزالي والآمدي ، وبعضهم عبر عنه بالتكوين ، وسماه القفال وأبو المعالي وأبو إسحاق الشيرازي : التسخير ، فهو تفعيل من " كان " بمعنى وجد ، فتكوين الشيء إيجاده من العدم . والله تعالى هو الموجد لكل شيء وخالقه ( و ) الثاني والعشرون : كونها بمعنى ( خبر ) نحو قوله تعالى { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا } وقوله تعالى { فليمدد له الرحمن مدا } وقوله تعالى { ولنحمل خطاياكم } وقوله تعالى { أسمع بهم وأبصر } ومنه على رأي { إذا لم تستح فاصنع ما شئت } وذلك لأنه لما جاء الخبر بمعنى الأمر في قوله تعالى { والوالدات يرضعن } وقوله تعالى { والمطلقات يتربصن } جاء الأمر بمعنى الخبر ، والخبر وكذا جاء الخبر بمعنى النهي ، كما في حديث رواه ابن ماجه بسند جيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها } بالرفع ; إذ لو كان نهيا لجزم ، فيكسر لالتقاء الساكنين . قال أرباب المعاني : وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي ; لأن المتكلم لشدة طلبه نزل المطلوب بمنزلة الواقع لا محالة ، ومن هنا تعرف العلاقة في إطلاق الخبر بمعنى الأمر والنهي ( و ) الثالث والعشرون : كونها بمعنى ( تفويض ) نحو قوله تعالى [ ص: 326 ] { فاقض ما أنت قاض } ذكره أبو المعالي . ويسمى أيضا : التحكيم .

وسماه ابن فارس والعبادي : التسليم ، وسماه نصر بن محمد المروذي : الاستبسال .

وقال : أعلموه أنهم قد استعدوا له بالصبر ، وأنهم غير تاركين لدينهم ، وأنهم يستقلون ما هو فاعل في جنب ما يتوقعونه من ثواب الله سبحانه وتعالى . قال : ومنه قول نوح عليه السلام { فأجمعوا أمركم } أخبرهم بهوانهم ( و ) الرابع والعشرون : كونها بمعنى ( تكذيب ) نحو قوله تعالى { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ومنه قوله تعالى { فأتوا بسورة من مثله } { قل هلم شهداءكم الذين يشهدون } ( و ) الخامس والعشرون : كونها بمعنى ( مشورة ) نحو قوله تعالى { فانظر ماذا ترى } في قول إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام إشارة إلى مشاورته في هذا الأمر . وهو قوله { يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } ذكره العبادي ( و ) السادس والعشرون : كونها بمعنى ( اعتبار ) نحو قوله تعالى { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر ( و ) السابع والعشرون : كونها بمعنى ( تعجب ) نحو قوله تعالى { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } قاله الفارسي . ومثله الهندي بقوله تعالى { كونوا حجارة أو حديدا } وتقدم أن بعضهم مثل به للتعجيز ، وأن ابن عطية قال : فيه نظر . قال البرماوي : وهو الظاهر . فإن التمثيل به للتعجب أوضح ; لأن المراد به التعجب ( و ) الثامن والعشرون : كونها بمعنى ( إرادة امتثال أمر آخر ) نحو قوله صلى الله عليه وسلم { كن عبد الله المقتول ، ولا تكن عبد الله القاتل } فإن المقصود الاستسلام والكف عن الفتن . فهذا الذي وقع اختيارنا عليه . وقد ذكر جماعة من العلماء أشياء غير ذلك مما فيه نظر . فمنها ، وهو التاسع والعشرون : كونها بمعنى ( التخيير ) نحو قوله تعالى { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ذكره القفال . وقد يقال : نفس صيغة افعل ليس فيها تخيير إلا بانضمام أمر آخر يفيده ، لكن مثل ذلك يأتي [ ص: 327 ] في التسوية . ومنها ، وهو الثلاثون : الاختيار . نحو قوله صلى الله عليه وسلم { فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا } بدليل { فإنه لا يدري أين باتت يده } قال البرماوي : وهذا داخل تحت الندب . فلا حاجة إلى إفراده . قال في شرح التحرير قلت : ليس في هذا صيغة أمر ، إنما هو صيغة نهي كما ترى . انتهى .

ومنها ، وهو الحادي والثلاثون : الوعيد . نحو قوله تعالى { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } ولكن هذا من التهديد وقال بعضهم : التهديد أبلغ من الوعيد . ومنها ، وهو الثاني والثلاثون : الالتماس . كقولك لنظيرك : افعل .

وهذا يأتي على رأي ، وهو وشبهه مما يقل جدواه في دلائل الأحكام . ومنها ، وهو الثالث والثلاثون : التصبر . نحو قوله تعالى { لا تحزن إن الله معنا } { فمهل الكافرين أمهلهم رويدا } { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } ذكره القفال . ومنها ، وهو الرابع والثلاثون : قرب المنزلة ، نحو قوله تعالى { ادخلوا الجنة } ذكره بعضهم . ومنها ، وهو الخامس والثلاثون : التحذير والإخبار عما يئول الأمر إليه ، نحو قوله تعالى { تمتعوا في داركم ثلاثة أيام } قاله الصيرفي ( وكنهي ) في المعنى ( دع ، واترك ) وكف ، وأمسك نفسك عن كذا . ونحوه .

لما كان من أبعاض " افعل " ما يدل على الكف عن الفعل . احتيج إلى التنبيه على إخراجها . ولهذا قال في جمع الجوامع في حد الأمر : إنه اقتضاء فعل غير كف مدلول عليه بغير كف ، أي مدلول على الكف الذي هو المصدر بغير كف الذي هو فعل أمر . فقوله " اقتضاء فعل " أي طلب فعل ، وهو جنس يشمل الأمر والنهي ، وتخرج الإباحة وغيرها مما تستعمل منه صيغة الأمر . وليس أمرا ، وقوله " غير كف " فصل خرج به النهي . فإنه طلب فعل هو كف . وقوله " مدلول عليه بغير كف " صفة لقوله : كف .

التالي السابق


الخدمات العلمية