صفحة جزء
( فصل القران : أن يقرن الشارع بين شيئين لفظا ) أي في اللفظ ( لا يقتضي ) ذلك القرآن ( تسوية بينهما ) أي بين الشيئين المذكورين ( حكما في غير ) الحكم ( المذكور إلا بدليل ) من خارج عند أكثر أصحابنا والحنفية والشافعية . [ ص: 386 ] وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم { لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ، ولا يغتسل فيه من جنابة } لأن الأصل عدم الشركة . قال ابن قاضي الجبل : لا يلزم من تنجسه بالبول تنجسه بالاغتسال . ومن الدليل أيضا : قوله سبحانه وتعالى { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده } فعطف واجبا على مباح . لأن الأصل عدم الشركة وعدم دليلها . وخالف أبو يوسف وجمع .

لأن العطف يقتضي المشاركة ، نحو . قوله تعالى . { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } فلذلك لا تجب الزكاة في مال الصغير . لأنه لو أريد دخوله في الزكاة لكان فيه عطف واجب على مندوب ; لأن الصلاة عليه مندوبة اتفاقا ، وضعف بأن الأصل في اشتراك المعطوف والمعطوف عليه : إنما هو فيما ذكر ، لا فيما سواه من الأمور الخارجية . وقد أجمعوا على أن اللفظين العامين إذا عطف أحدهما على الآخر ، وخص أحدهما : لا يقتضي تخصيص الآخر ، واستدل لهذا المذهب أيضا بقول الصديق رضي الله تعالى عنه " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " واستدل ابن عباس لوجوب العمرة بأنها قرينة الحج في كتاب الله تعالى ، ورد الدليل وقرينه في الأمر بها ، واستدل القاضي بقوله تعالى { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } قال : فعطف اللمس على الغائط موجب للوضوء . قال : وخصصه أحمد بالقرينة . فذكر قوله تعالى في آية النجوى وقوله تعالى { وأشهدوا إذا تبايعتم } فإن أمن فلا بأس . انظر إلى آخر الآية ( ولا يلزم من إضمار شيء في معطوف ) على شيء ( أن يضمر ) ذلك الشيء ( في معطوف عليه ) ذكره أبو الخطاب وابن حمدان وابن قاضي الجبل والمالكية والشافعية ، خلافا للحنفية والقاضي وابن السمعاني وابن الحاجب .

وترجمة هذه المسألة بما في المتن هي ترجمة أبي الخطاب في التمهيد ، وترجمها الرازي والبيضاوي والهندي وابن قاضي الجبل بقولهم " عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيص المعطوف عليه " ومثل الفريقان لهذه المسألة بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود والنسائي " { لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده } " والخلاف في هذه المسألة مشهور ، مع الاتفاق على أن النكرة في سياق النفي [ ص: 387 ] للعموم ، فالحنفية ومن تابعهم يقدرون تتميما للجملة الثانية لفظا عاما ، تسوية بين المعطوف والمعطوف عليه في متعلقه . فيكون على حد قوله تعالى ( { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون } ) فيقدر : ولا ذو عهد في عهده بكافر . إذ لو قدر خاصا - وهو ولا ذو عهد في عهده بحربي - لزم التخالف بين المتعاطفين . ويكون تقديرا بلا دليل ، بخلاف ما لو قدر عاما . فإن الدليل دل عليه من المصرح به في الجملة التي قبلها . وحينئذ فيخصص العموم في الثانية بالحربي . بدليل آخر . وهو الاتفاق على أن المعاهد لا يقتل بالحربي . ويقتل بالمعاهد والذمي . قالوا : وإذا تقرر هذا وجب أن يخصص العام المذكور ، أو لا ليتساويا . فيصير : لا يقتل مسلم بكافر ، ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي وأما أصحابنا وغيرهم : فإذا قدروا في الجملة الثانية . فإنما يقدرون خاصا . فيقولون : ولا ذو عهد في عهده بحربي ، لأن التقدير : إنما هو بما تندفع به الحاجة بلا زيادة . وفي التقدير " بحربي " كفاية . ولا يضر تخالفه مع المعطوف عليه في ذلك . إذ لا يشترط اشتراكهما في أصل الحكم ، وهو هنا : منع القتل بما ذكر . أو بما يقوم الدليل عليه ، لا في كل الأحوال : وهو قوله سبحانه وتعالى { وبعولتهن أحق بردهن } فإنه مختص بالرجعيات . وإن تقدم المطلقات بالعموم . وقيل : بالوقف لتعارض الأدلة . انتهى . ولما انتهى الكلام على العام وصيغ العموم . وكان يلحقه التخصيص ذكره عقبه فقال :

التالي السابق


الخدمات العلمية