صفحة جزء
( فصل )

( يخصص الكتاب ببعضه و ) يخصص أيضا ( بالسنة مطلقا ) أي سواء كانت متواترة أو آحادا ( و ) تخصص ( السنة به ) أي بالقرآن ( وببعضها ) أي تخصص السنة ببعضها ( مطلقا ) أي سواء كانت متواترة أو آحادا . فمن أمثلة تخصيص الكتاب بالكتاب : قوله تعالى { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } فإن عمومه خص بالحوامل في قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وخص أيضا عمومه الشامل للمدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها { فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } ونحو ذلك قوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير } خص بقوله سبحانه وتعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } ونحو ذلك قوله تعالى { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } خص بقوله سبحانه وتعالى { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن } والمخالف في مسألة تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية ، وتمسكوا بأن التخصيص بيان للمراد باللفظ . فلا يكون إلا بالسنة ، " لقوله تعالى { لتبين للناس ما نزل إليهم } وما ذكر من الأمثلة يجوز أن يكون التخصيص فيه بالسنة . كما في حديث أبي السنابل بن بعكك مع سبيعة الأسلمية حين قال { ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا : فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأفتاها بأنها قد حلت بوضع حملها } وأجيب بأن التخصيص [ ص: 414 ] لا يخرج عن كونه مبينا إذا بين ما أنزل بآية أخرى ، منزلة كما بين ما أنزل إليه من السنة . فإن الكل منزل . ومثال تخصيص الكتاب بالسنة ، حتى مع كونها آحادا عند أحمد ومالك والشافعي رضي الله عنهم : قوله سبحانه وتعالى { وأحل لكم ما وراء ذلكم } فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم " { لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها } متفق عليه . ونحوه تخصيص آية السرقة بما دون النصاب ، وقتل المشركين بإخراج المجوس ، وغير ذلك . قال ابن مفلح : وعند الحنفية إن كان خص بدليل مجمع عليه جاز وإلا فلا وقيل : بالوقف . وقيل : يجوز ولم يقع ، ومثال تخصيص السنة بالكتاب : قوله صلى الله عليه وسلم { ما أبين من حي فهو ميت } رواه ابن ماجه . خص بقوله سبحانه وتعالى { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } ومن أمثلته أيضا : قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه { خذوا عني خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا ، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة . والثيب بالثيب : جلد مائة والرجم } فإن ذلك يشمل الحر والعبد بقوله سبحانه وتعالى { فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } ومن ذلك حديث { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله } خص بقوله سبحانه وتعالى { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ومثال تخصيص السنة بالسنة . قوله صلى الله عليه وسلم { فيما سقت السماء العشر } فإنه مخصوص بقوله صلى الله عليه وسلم { ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة } وهو كثير . والمخالف في تخصيص السنة بالسنة داود الظاهري وطائفة . فقال : إنهما يتعارضان . ومنشأ الخلاف : ما ذكرنا من أن السنة إنما تكون مبينة لا محتاجة للبيان ( و ) يخصص لفظ ( عام بمفهوم مطلقا ) أي سواء كان مفهوم موافقة أو مفهوم مخالفة . فمثال مفهوم الموافقة : قوله صلى الله عليه وسلم { لي الواجد يحل عرضه وعقوبته } رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان . والحاكم والبيهقي . قال الحاكم صحيح الإسناد . و " اللي " المطل . والمراد بحل عرضه : أن يقول غريمه : ظلمني وعقوبته الحبس . خص منه الوالدان بمفهوم قوله تعالى [ ص: 415 ] { فلا تقل لهما أف } فمفهومه : أنه لا يؤذيهما بحبس ولا غيره فلذلك لا يحبس الوالد بدين ولده ، بل ولا له مطالبته على الصحيح من المذهب . وعليه أكثر العلماء .

ومحل هذا حيث لم يجعل من باب القياس . فأما إن قلنا : إنه من باب القياس فيكون مخصصا بالقياس ومثال التخصيص بمفهوم المخالف - القائل به أكثر العلماء وهو الصحيح - قوله صلى الله عليه وسلم { إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث } رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم . خص بمفهومه - وهو الذي لم يبلغ قلتين - عموم قوله صلى الله عليه وسلم { الماء طهور لا ينجسه شيء ، إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه } رواه ابن ماجه والبيهقي . فإنه أعم من القلتين ، وما لم يبلغهما يصير تنجيس القلتين في الحديث الأول مخصوصا بالتغيير بالنجاسة ، ويبقى ما دونهما ينجس بمجرد الملاقاة في غير المواضع المستثناة بدليل آخر . وخالف في ذلك بعض أصحابنا والمالكية وابن حزم وغيرهم . فقالوا : لا يخص العموم بمفهوم المخالفة ( وبإجماع ) يعني أن العام يخص بإجماع ( والمراد دليله ) أي دليل الإجماع ، لا أن الإجماع نفسه مخصص ; لأن الإجماع لا بد له من دليل يستند إليه ، وإن لم نعرفه . ومثلوه بقوله سبحانه وتعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } خص بالإجماع على أن العبد القاذف يجلد على النصف من الحر ، لكن قال البرماوي : في التمثيل بذلك نظر ، لاحتمال أن يكون التخصيص بالقياس ، ثم قال فإن قيل : لم لا تقولون بأن الإجماع يكون ناسخا ، على معنى أنه يتضمن ناسخا ؟ فجوابه : أن سند الإجماع قد يكون مما لا ينسخ به . فليس في كل إجماع تضمن لما يسوغ النسخ به . وأما التخصيص : فلما كان من البيان كان كل دليل مخصصا به . انتهى .

وجعل بعض العلماء من أمثله المسألة : قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } خص بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على العبد والمرأة ( ولو عمل أهله ) أي أهل الإجماع ( بخلاف نص خاص ) في مسألة ( تضمن ) إجماعهم على ذلك العمل دليلا ( ناسخا ) لذلك النص ، [ ص: 416 ] فيكون الدليل الذي تضمنه الإجماع ودل عليه : ناسخا لذلك النص ( و ) يخصص العام أيضا ( بفعله صلى الله عليه وسلم إن شمله العموم ) عند الأئمة الأربعة . رضي الله تعالى عنهم . . وقد خص أحمد قوله تعالى { ولا تقربوهن حتى يطهرن } بفعله صلى الله عليه وسلم وقال : دل على أنه أراد الجماع . وقال جمع ، منهم الكرخي : لا يخص به مطلقا . وقيل : إن فعله مرة فلا تخصيص ، لاحتمال كونه من خصائصه صلى الله عليه وسلم ( وإن ثبت وجوب اتباعه ) صلى الله عليه وسلم ( فيه ) أي في ذلك الفعل ( بدليل خاص فالدليل ناسخ للعام ) وقد مثل لذلك بالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها ، ثم جلس مستقبل بيت المقدس مستدبر الكعبة فعلى القول بأن النهي شامل للصحراء والبنيان ، فيحرم فيهما . وبه قال جمع ، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم خص بذلك وخرج من عموم النهي . وإن قلنا : إنه صلى الله عليه وسلم ليس مختصا بذلك . فالتخصيص للبنيان من العموم سواء هو والأمة في ذلك ( و ) يخص العام أيضا ( بإقراره ) أي إقرار النبي ( صلى الله عليه وسلم على فعل ) عند أصحابنا والأكثر ( وهو ) أي التخصيص ( أقرب من نسخه ) أي نسخ الحكم الذي دل عليه العام نسخا ( مطلقا ، أو ) نسخا ( عن فاعله ) وقيل : نسخ ، إن نسخ بالقياس . واستدل للأول بأن سكوته عن ذلك مع علمه دليل على جوازه وإلا لوجب إنكاره . قال المنكرون : التقرير لا صيغة له ، فلا يقابل الصيغة ، رد بجوازه وحيث جاز التخصيص بالتقرير ، فهل المخصص نفس تقريره صلى الله عليه وسلم أو المخصص ما تضمنه التقرير من سبق قول به ، فيكون مستدلا بتقريره على أنه قد خص بقول سابق ، إذ لا يجوز لهم أن يفعلوا ما فيه مخالفة : للعام إلا بإذن صريح ، فتقريره دليل ذلك ؟ فيه وجهان .

قال ابن فورك والطبري . الظاهر الأول : ( و ) يجوز تخصيص اللفظ العام أيضا ( بمذهب صحابي ) عند من يقول : إنه حجة . قال ابن قاضي الجبل : إذا قلنا : قول الصحابي حجة . جاز تخصيص العام به . نص عليه الإمام أحمد رضي الله عنه . وبه قالت الحنفية والمالكية وابن حزم وعيسى بن أبان وللشافعية وجهان . إذا قالوا بقوله القديم في كونه حجة انتهى ( وبقضايا الأعيان ) يعني أن اللفظ العام [ ص: 417 ] يخص بقضايا الأعيان ، مثال ذلك : { نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير للرجال ثم أذن في لبسه لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام ، لقمل كان بهما } ، إذنه لهما قضية عين فيكون الإذن في هذه الحالة مخصصا لعموم النهي

التالي السابق


الخدمات العلمية