صفحة جزء
الباب الثالث : في حكم الإجماع

وحكمه وجوب الاتباع وتحريم المخالفة والامتناع عن كل ما ينسب الأمة إلى تضييع الحق ، والنظر فيما هو خرق ومخالفة وما ليس بمخالفة ، يتهذب برسم مسائل :

مسألة : إذا اجتمعت الأمة في المسألة على قولين ،

كحكمهم مثلا في الجارية المشتراة إذا وطئها المشتري ثم وجد بها عيبا فقد ذهب بعضهم إلى أنها ترد مع العقر ، وذهب بعضهم إلى منع الرد . فلو اتفقوا على هذين المذهبين كان المصير إلى الرد مجانا خرقا للإجماع عند الجماهير إلا عند شذوذ من أهل الظاهر والشافعي إنما ذهب إلى الرد مجانا ; لأن الصحابة بجملتهم لم يخوضوا في المسألة ، وإنما نقل فيها مذهب بعضهم ، فلو خاضوا فيها بجملتهم واستقر رأي جميعهم على مذهبين لم يجز إحداث مذهب ثالث .

ودليله أنه يوجب نسبة الأمة إلى تضييع الحق إذ لا بد للمذهب الثالث من دليل ولا بد من نسبة الأمة إلى تضييعه والغفلة عنه ، وذلك محال . ولهم شبه :

الشبهة الأولى : قولهم : إنهم خاضوا خوض مجتهدين ولم يصرحوا بتحريم قول ثالث . قلنا : وإذا اتفقوا على قول واحد عن اجتهاد فهو كذلك ولم يجز خلافهم ; لأنه يوجب نسبتهم إلى تضييع الحق والغفلة عن دليله ، فكذلك ههنا .

الشبهة الثانية : قولهم : إنه لو استدل الصحابة بدليل أو علة لجاز الاستدلال بعلة أخرى ; لأنهم لم يصرحوا ببطلانها ، فكذلك القول الثالث لم يصرحوا ببطلانه .

قلنا : فليجز خلافهم إذا اتفقوا عن اجتهاد إذ يجوز التعليل بعلة أخرى فيما اتفقوا عليه . لكن الجواب أنه ليس من فرض دينهم الاطلاع على جميع الأدلة بل يكفيهم معرفة الحق بدليل واحد ، فليس في إحداث علة أخرى واستنباطها نسبة إلى تضييع الحق وفي مخالفتهم في الحكم إذا اتفقوا نسبة إلى التضييع ، فكذلك إذا اختلفوا على قولين .

الشبهة الثالثة : أنه لو ذهب بعض الصحابة إلى أن اللمس والمس ينقضان الوضوء ، وبعضهم إلى أنهما لا ينقضان الوضوء ولم يفرق واحد بينهما ، فقال تابعي : ينقض أحدهما [ ص: 155 ] دون الآخر ، كان هذا جائزا ، وإن كان قولا ثالثا .

قلنا : لأن حكمه في كل مسألة يوافق مذهب طائفة ، وليس في المسألتين حكم واحد ، وليست التسوية مقصودة ولو قصدوها وقالوا : لا فرق واتفقوا عليه لم يجز الفرق ، وإذا فرقوا بين المسألتين واتفقوا على الفرق قصدا امتنع الجمع ، أما إذا لم يجمعوا ولم يفرقوا فلا يلتئم حكم واحد من مسألتين بل نقول صريحا : لا يخلو إنسان عن معصية وخطأ في مسألة ، فالأمة مجتمعة على المعصية والخطأ ; وكل ذلك ليس بمحال إنما يستحيل الخطأ بحيث يضيع الحق حتى لا يقوم به طائفة مع قوله عليه السلام : { لا تزال طائفة من أمتي على الحق } فلهذا نقول : يجوز أن تنقسم الأمة في مسألتين إلى فرقتين وتخطئ فرقة في مسألة ، والفرقة الأخرى تقوم بالحق فيها والقائمون بالحق يخطئون في المسألة الأخرى ، ويقوم بالحق فيها المخطئون في المسألة الأولى ، حتى يقول مثلا أحد شطري الأمة القياس ليس بحجة والخوارج مبطلون ، ويقول فريق آخر : القياس حجة والخوارج محقون ، فيشملهم الخطأ ولكن في مسألتين ، فلا يكون الحق في مسألتين مضيعا بين الأمة في كل واحد منهما .

الشبهة الرابعة : أن مسروقا أحدث في مسألة الحرام قولا ثالثا ولم ينكر عليه منكر . قلنا : لم يثبت استقرار كافة الصحابة على رأيين في مسألة الحرام بل ربما كان بعضهم فيها في مهلة النظر أو لم يخض فيها ، أو لعل مسروقا خالف الصحابة في ذلك الوقت ولم ينطق بوفاقهم وكان أهلا للاجتهاد في وقت وقوع هذه المسألة ، كيف ولم يصح هذا عن مسروق إلا بأخبار الآحاد ؟ فلا يدفع بها ما ذكرنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية