صفحة جزء
فصل في تفريع الشافعي في القديم على تقليد الصحابة ونصوصه .

قال في كتاب اختلاف الحديث : إنه روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات ، قال : لو ثبت ذلك عن علي لقلت به وهذا ; لأنه رأى أنه لا يقول ذلك إلا عن [ ص: 171 ] توقيف إذ لا مجال للقياس فيه . وهذا غير مرضي ، لأنه لم ينقل فيه حديثا حتى يتأمل لفظه ومورده وقرائنه وفحواه وما يدل عليه ولم نتعبد إلا بقبول خبر يرويه صحابي مكشوفا يمكن النظر فيه ، كما كان الصحابة يكتفون بذكر مذهب مخالف للقياس ويقدرون ذلك حديثا من غير تصريح به .

وقد نص في موضع أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يخالف فهو حجة وهو ضعيف ; لأن السكوت ليس بقول ، فأي فرق بين أن ينتشر أو لا ينتشر ؟ وقد نص على أنه إذا اختلفت الصحابة فالأئمة أولى ، فإن اختلف الأئمة فقول أبي بكر وعمر أولى لمزيد فضلهما ، وقال في موضع آخر : يجب الترجيح بقول الأعلم والأكثر قياسا لكثرة القائلين على كثرة الرواة وكثرة الأشباه ، وإنما يجب ترجيح الأعلم ; لأن زيادة عمله تقوي اجتهاده وتبعده عن الإهمال والتقصير والخطأ ، وإن اختلف الحكم والفتوى من الصحابة فقد اختلف قول الشافعي فيه ، فقال مرة : الحكم أولى ; لأن العناية به أشد والمشورة فيه أبلغ ، وقال مرة : الفتوى أولى ; لأن سكوتهم على الحكم يحمل على الطاعة للوالي .

وكل هذا مرجوع عنه . فإن قيل : فما قولكم في ترجيح أحد القياسين بقول الصحابي ؟ قلنا قال القاضي : لا ترجيح إلا بقوة الدليل ، ولا يقوى الدليل بمصير مجتهد إليه . والمختار أن هذا في محل الاجتهاد فربما يتعارض ظنان والصحابي في أحد الجانبين فتميل نفس المجتهد إلى موافقة الصحابي ، ويكون ذلك أغلب على ظنه ، ويختلف ذلك باختلاف المجتهدين وقال قوم : إنما يجوز ترجيح قياس المصير إذا كان أصل القياس في واقعة شاهدها الصحابي ، وإلا فلا فرق بينه وبين غيره .

وهذا قريب ، ولكن مع هذا يحتمل أن يكون مصيره إليه لا لاختصاصه بمشاهدة ما يدل عليه بل بمجرد الظن . أما إذا حمل الصحابي لفظ الخبر على أحد محتمليه فمنهم من رجح ومنهم من قال إذا لم يقل : علمت ذلك من لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم بقرينة شاهدتها فلا ترجيح به ، وهذا اختيار القاضي .

فإن قيل فقد ترك الشافعي في الجديد القياس في تغليظ الدية في الحرم بقول عثمان ، وكذلك فرق بين الحيوان وغيره في شرط البراءة بقول علي ؟ قلنا له : في مسألة شرط البراءة أقوال ، فلعل هذا مرجوع عنه ، وفي مسألة التغليظ الظن به أنه قوى القياس بموافقة الصحابة ، فإن لم يكن كذلك فمذهبه في الأصول أن لا يقلد والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية