صفحة جزء
القسم الثاني : في إثبات العلة بالإجماع على كونها مؤثرة في الحكم : مثاله قولهم : إذا قدم الأخ من الأب والأم على الأخ للأب في الميراث فينبغي أن يقدم في ولاية النكاح فإن العلة في الميراث التقديم بسبب امتزاج الأخوة ، وهو المؤثر بالاتفاق ، وكذلك قول بعضهم : الجهل بالمهر يفسد النكاح ; لأنه جهل بعوض في معاوضة فصار كالبيع ، إذ الجهل مؤثر في الإفساد في البيع بالاتفاق . وكذلك نقول : يجب الضمان على السارق ، وإن قطع ; لأنه مال تلف تحت اليد العادية فيضمن كما في الغصب ، وهذا الوصف هو المؤثر في الغصب اتفاقا : وكذلك يقول الحنفي : صغيرة ، فيولي عليها قياسا للثيب الصغيرة على البكر الصغيرة ، فالمطالبة منقطعة عن إثبات علة الأصل ; لأنها بالاتفاق مؤثرة ويبقى سؤال ، وهو أن يقال : لم قلتم إذا أثر امتزاج الأخوة في التقديم في الإرث فينبغي أن يؤثر في النكاح ؟ وإذا أثر الصغر في البكر فهو يؤثر في الثيب ؟ وهذا السؤال إما أن يوجهه المجتهد على نفسه أو يوجهه المناظر في المناظرة ; أما المجتهد فيدفعه بوجهين

أحدهما : أن يعرف مناسبة المؤثر كالصغر فإنه يسلط الولي على التزويج للعجز ، فنقول : الثيب كالبكر في هذه .

الثاني : أن يتبين أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا كذا ، وكذا ولا مدخل له في التأثير كما ذكرناه في إلحاق الأمة بالعبد في سراية العتق ونظائره ، فيكون هذا القياس تمامه بالتعرض للجامع ونفي الفارق جميعا ، وإن ظهرت المناسبة استغني عن التعرض للفارق ، وإن كان السؤال من مناظر فيكفي أن يقال القياس لتعدية العلة من موضع إلى موضع ، وما من تعدية إلا ويتوجه عليها هذا السؤال ، فلا ينبغي أن يفتح هذا الباب بل يكلف المعترض الفرق أو التنبيه على مثار خيال الفرق بأن يقول مثلا : أخوة الأم أثرت في الميراث في الترجيح ; لأن مجردها يؤثر في التوريث ؟ فلم قلت إذا استعمل في الترجيح ما يستقل بالتأثير فيستعمل حيث لا يستقل فتقبل المطالبة على هذه الصيغة ، وهي أولى من إبدائه في معرض الفرق ابتداء ؟

أما إذا لم ينبه على مثار خيال الفرق ، وأصر على صرف المطالبة فلا ينبغي أن يصطلح المناظرون على قبوله ; لأنه يفتح بابا من اللجاج لا ينسد ، ولا يجوز إرهافه إلى طلب المناسبة ، فإن ما ظهر تأثير بإضافة الحكم إليه فهو علة ناسب أو لم يناسب فقد قال : عليه السلام { من مس ذكره فليتوضأ } فنحن نقيس عليه ذكر غيره ولا مناسبة ، ولكن نقول : ظهر تأثير المس ولا مدخل للفارق في التأثير . فإنه ، وإن ظهر مناسبته أيضا فيجوز أن يختص اعتبار المناسب ببعض المواضع ، إذ السرقة تناسب القطع ، ثم تختص بالنصاب ، والزنا يناسب الرجم ثم يختص بالمحصن ، فيتوجه على المناسب أيضا أن يقول :

لم قلت إذا أثر هذا المناسب ، وهو الصغر في ولاية المال فينبغي أن يؤثر في ولاية البضع ، وإذا أثر في البكر يؤثر في الثيب ، وإذا أثر في التزويج من الابن يؤثر في التزويج من البنت ؟ ومن المناسبات ما يختص [ ص: 311 ] ببعض المواضع . وهذا السؤال يستمد من خيال منكري القياس فلا ينبغي أن يقبل .

التالي السابق


الخدمات العلمية