صفحة جزء
[ من أدرك ركعة من الصبح ]

المثال الثامن والعشرون : رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، بكونها خلاف الأصول بالمتشابه من نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ، قالوا : والعام عندنا يعارض الخاص ; فقد تعارض حاظر ومبيح ، فقدمنا الحاظر احتياطا ; فإنه يوجب عليه إعادة الصلاة ، وحديث الإتمام يجوز له المضي فيها ، وإذا تعارضا صرنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لتتيقن براءة الذمة ، فيقال : لا ريب أن قوله صلى الله عليه وسلم : { من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته } حديث واحد ، قاله صلى الله عليه وسلم في وقت واحد ، وقد وجبت طاعته في شطره ; فتجب طاعته في الشطر الآخر ، وهو محكم خاص لا يحتمل إلا وجها واحدا ، لا يحتمل غيره ألبتة ، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي عام مجمل قد خص منه عصر يومه بالإجماع ، وخص منه قضاء الفائتة والمنسية بالنص ، وخص منه ذوات الأسباب بالسنة كما قضى النبي صلى الله عليه وسلم سنة الظهر بعد العصر ، وأقر من قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر ، وقد أعلمه أنها سنة الفجر ، وأمر من [ ص: 246 ] صلى في رحله ثم جاء مسجد جماعة أن يصلي معهم وتكون له نافلة ، وقاله في صلاة الفجر ، وهي سبب الحديث ، وأمر الداخل والإمام يخطب أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس .

[ فرق بين الابتداء والدوام ]

وأيضا فإن الأمر بإتمام الصلاة وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا بابتداء ، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهي عن ابتدائها لا عن استدامتها ; فإنه لم يقل : " لا تتموا الصلاة في ذلك الوقت ، وإنما قال : لا تصلوا " .

وأين أحكام الابتداء من الدوام وقد فرق النص والإجماع والقياس بينهما ؟ فلا تؤخذ أحكام الدوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة ; فالإحرام ينافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما ، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتها ، والحدث ينافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته ، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة دون استدامته عند الجمهور ، والزنا من المرأة ينافي ابتداء عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه ، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها ، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام ، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء ولا ينافيه دواما .

وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه ، وطريان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على الدوام ويمنعه في الابتداء ، والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دواما ، والقدرة على هدي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دواما ، والقدرة على الماء ابتداء التيمم اتفاقا ، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمم خلاف بين أهل العلم ، ولا يجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها ، ولو غصبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة وخير المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه ، ويمنع أهل الذمة من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يمنعون من استدامتها ، ولو حلف لا يتزوج ولا يتطيب أو لا يتطهر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث ، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يفرق فيها بين الابتداء والدوام ; فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها ، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه ، وأيضا فهو مستصحب بالأصل ، وأيضا فالدافع أسهل من الرافع ، وأيضا فأحكام التبع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات ، والمستدام تابع لأصله الثابت ; فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص ، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس ؟ [ ص: 247 ] فقد تبين أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس ، بل النص فيها والقياس متفقان ، والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه ، ولو قدر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته ، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله ، بل يتعين إعماله واعتباره ، ولا تضرب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض ، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السنتين وإلغاء أحد الدليلين ، والله الموفق .

ثم نقول : الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة - وهي حالة طلوع الشمس - وخالفتم السنة أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة ; فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي ، وهو وقت ناقص ، بل هو أولى الأوقات بالنقصان ، كما جعله النبي صلى الله عليه وسلم وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قرني شيطان ، وحينئذ يسجد لها الكفار ، وإنما كان النهي عن الصلاة قبل ذلك الوقت حريما له وسدا للذريعة ، وهذا بخلاف من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس ; فإن الكفار حينئذ لا يسجدون لها ، بل ينتظرون بسجودهم طلوعها فكيف يقال : تبطل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيه الكفار للشمس وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء ، وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني الشيطان فإنه حينئذ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود له ؟ فإذا كان ابتداؤها وقت مقارنة الشيطان لها غير مانع من صحتها فلأن تكون استدامتها وقت مقارنة الشيطان غير مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى ، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحه ; فقد تبين أن الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسا من الصورة التي وافقتموه فيها .

وهذا مما حصلته عن شيخ الإسلام - قدس الله روحه - وقت القراءة عليه ، وهذه كانت طريقته ، وإنما يقرر أن القياس الصحيح هو ما دل عليه النص ، وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالف القياس والنص معا ، وبالله التوفيق .

ومن العجب أنهم قالوا : لو صلى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركا لها ; لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : { من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر } وهذا شطر الحديث ، وشطره الثاني : { ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر } .

التالي السابق


الخدمات العلمية