صفحة جزء
فصل [ قياس الدلالة ]

وأما قياس الدلالة فهو الجمع بين الأصل والفرع بدليل العلة وملزومها ; ومنه قوله تعالى : { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير } فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه على الإحياء الذي استبعدوه ، وذلك قياس إحياء على إحياء ، واعتبار الشيء بنظيره ; والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه ، وكمال حكمته ; وإحياء الأرض دليل العلة [ ص: 108 ]

ومنه قوله تعالى : { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } فدل بالنظير على النظير ، وقرب أحدهما من الآخر جدا بلفظ الإخراج ، أي يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي .

ومنه قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } .

فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى ، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء ، ونبه سبحانه : عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار ، وسوقها في مراتب الكمال من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها ، حتى صارت بشرا سويا في أحسن خلق وتقويم - على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدى مهملا معطلا لا يأمره ولا ينهاه ولا يقيمه في عبوديته ، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشرا سويا ، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقا بعد طبق وحالا بعد حال إلى أن يصير جاره في داره يتمتع بأنواع النعيم ، وينظر إلى وجهه ، ويسمع كلامه .

ومنه قوله سبحانه : { وهو الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه إلى بلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون } فأخبر سبحانه : أنهما إحياءان ، وأن أحدهما معتبر بالآخر مقيس عليه ، ثم ذكر قياسا آخر أن من الأرض ما يكون أرضا طيبة فإذا أنزلنا عليها الماء أخرجت نباتها بإذن ربها ، ومنها ما تكون أرضا خبيثة لا تخرج نباتها إلا نكدا ، أي قليلا غير منتفع به ، فهذه إذا أنزل عليها الماء لم تخرج ما أخرجت الأرض الطيبة ، فشبه سبحانه الوحي الذي أنزله من السماء على القلوب بالماء الذي أنزله على الأرض بحصول الحياة بهذا وهذا ، وشبه القلوب بالأرض إذ هي محل الأعمال كما أن الأرض محل النبات ، وأن القلب الذي لا ينتفع بالوحي ولا يزكو عليه ولا يؤمن به كالأرض التي لا تنتفع بالمطر ولا تخرج نباتها به إلا قليلا لا ينفع ، وأن القلب الذي آمن بالوحي وزكا عليه وعمل بما فيه كالأرض التي أخرجت نباتها بالمطر ; فالمؤمن إذا سمع القرآن وعقله وتدبره بان أثره عليه ، فشبه بالبلد الطيب الذي يمرع ويخصب ويحسن [ ص: 109 ] أثر المطر عليه فينبت من كل زوج كريم ، والمعرض عن الوحي عكسه ، والله الموفق .

ومنه قوله تعالى : { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئا } يقول سبحانه : إن كنتم في ريب من البعث فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون ، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت ، والبعث الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى فهما نظيران في الإمكان والوقوع ، فإعادتكم بعد الموت خلقا جديدا كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها ، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها ؟ وقد أعاد سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه بأوجز العبارات ، وأدلها ، وأفصحها ، وأقطعها للعذر ، وألزمها للحجة ، كقوله تعالى : { أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم فيما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون } فدلهم بالنشأة الأولى على الثانية ، وأنهم لو تذكروا لعلموا أن لا فرق بينهما في تعلق القدرة بكل واحدة منهما ، وقد جمع سبحانه بين النشأتين في قوله : { وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى } وفي قوله : { ألم يك نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى } إلى قوله : { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } وفي قوله : { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون } فتضمنت هذه الآيات عشرة أدلة :

أحدها قوله : { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة } فذكره مبدأ خلقه ليدله به على النشأة الثانية ، ثم أخبر أن هذا الجاحد لو ذكر خلقه لما ضرب المثل ، بل لما نسي خلقه ضرب المثل ; فتحت قوله : { ونسي خلقه } ألطف جواب وأبين دليل ، وهذا كما تقول لمن جحدك أن تكون قد أعطيته شيئا : فلان جحدني الإحسان إليه ونسي الثياب التي عليه والمال الذي معه والدار التي هو فيها حيث لا يمكنه جحد أن يكون ذلك منك ; ثم أجيب عن سؤاله بما [ ص: 110 ] يتضمن أبلغ الدليل على ثبوت ما جحده فقال : { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة } فهذا جواب واستدلال قاطع ، ثم أكد هذا المعنى بالإخبار بعموم علمه لجميع الخلق ، فإن تعذر الإعادة عليه إنما يكون لقصور علمه أو قصور في قدرته ، ولا قصور في علم من هو بكل خلق عليم ، ولا قدرة فوق قدرة من خلق السماوات والأرض وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون وبيده ملكوت كل شيء ، فكيف تعجز قدرته وعلمه عن إحيائكم بعد مماتكم ولم نعجز عن النشأة الأولى ولا عن خلق السموات والأرض ؟ ثم أرشد عباده إلى دليل واضح جلي متضمن للجواب عن شبه المنكرين بألطف الوجوه وأبينها وأقربها إلى العقل ، فقال : { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } فإذن هذا دليل على تمام قدرته وإخراج الأموات من قبورهم كما أخرج النار من الشجرة الخضراء .

وفي ذلك جواب عن شبهة من قال من منكري المعاد الموت بارد يابس والحياة طبعها الرطوبة والحرارة ، فإذا حل الموت بالجسم لم يمكن أن تحل فيه الحياة بعد ذلك لتضاد ما بينهما ، وهذه شبهة تليق بعقول المكذبين الذين لا سمع لهم ولا عقل ; فإن الحياة لا تجامع الموت في المحل الواحد ليلزم ما قالوا ، بل إذا أوجد الله فيه الحياة وطبعها ارتفع الموت وطبعه ، وهذا الشجر الأخضر طبعه الرطوبة والبرودة تخرج منه النار الحارة اليابسة ، ثم ذكر ما هو أوضح للعقول من كل دليل ، وهو خلق السموات والأرض مع عظمها وسمعتها وأنه لا نسبة للخلق الضعيف إليهما ، ومن لم تعجز قدرته وعلمه عن هذا الخلق العظيم الذي هو أكبر من خلق الناس كيف تعجز عن إحيائهم بعد موتهم ؟ ثم قرر هذا المعنى بذكر وصفين من أوصافه مستلزمين لما أخبر به فقال : { بلى وهو الخلاق العليم } فكونه خلاقا عليما يقتضي أن يخلق ما يشاء ، ولا يعجزه ما أراده من الخلق ، ثم قرر هذا المعنى بأن عموم إرادته وكمالها لا يقصر عنه ولا عن شيء أبدا ، فقال : { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } فلا يمكنه الاستعصاء عليه ، ولا يتعذر عليه ، بل يأتي طائعا منقادا لمشيئته وإرادته ، ثم زاده تأكيدا وإيضاحا بقوله : { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } فنزه نفسه عما نطق به أعداؤه المنكرون للمعاد معظما لها بأن ملك كل شيء بيده يتصرف فيه تصرف المالك الحق في مملوكه الذي لا يمكنه الامتناع عن أي تصرف شاءه فيه ، ثم ختم السورة بقوله : { وإليه ترجعون } كما أنهم ابتدءوا منه هو فكذلك مرجعهم إليه ، فمنه المبدأ وإليه المعاد ، وهو الأول والآخر ؟ وأن إلى ربك المنتهى .

ومنه قوله تعالى : { ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا أولا يذكر الإنسان [ ص: 111 ] أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } فتأمل تضمن هذه الكلمات - على اختصارها وإيجازها وبلاغتها - للأصل والفرع والعلة والحكم .

ومنه قوله تعالى : { وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } فرد عليهم سبحانه ردا يتضمن الدليل القاطع على قدرته على إعادتهم خلقا جديدا فقال : { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة } فلما استبعدوا أن يعيدهم الله خلقا جديدا بعد أن صاروا عظاما ورفاتا قيل لهم : كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم ، سواء كان الموت أو السماء أو الأرض أو أي خلق استعظمتموه وكبر في صدوركم ، ومضمون الدليل أنكم مربوبون مخلوقون مقهورون على ما يشاء خالقكم ، وأنتم لا تقدرون على تغيير أحوالكم من خلقة إلى خلقة لا تقبل الاضمحلال كالحجارة والحديد ، ومع ذلك فلو كنتم على هذه الخلقة من القوة والشدة لنفذت أحكامي وقدرتي ومشيئتي ، ولم تسبقوني ولم تفوتوني ، كما يقول القائل لمن هو في قبضته : اصعد إلى السماء فإني لاحقك ; أي لو صعدت إلى السماء لحقتك ، وعلى هذا فمعنى الآية لو كنتم حجارة أو حديدا أو أعظم خلقا من ذلك لما أعجزتموني ولما فتموني .

وقيل : المعنى كونوا حجارة أو حديدا عند أنفسكم ، أي صوروا أنفسكم وقدروها خلقا لا يضمحل ولا ينحل ، فإنا سنميتكم ثم نحييكم ونعيدكم خلقا جديدا ، وبين المعنيين فرق لطيف ، فإن المعنى الأول يقتضي أنكم لو قدرتم على نقل خلقتكم من حالة إلى حالة هي أشد منها وأقوى لنفذت مشيئتنا وقدرتنا فيكم ولم تعجزونا ، فكيف وأنتم عاجزون عن ذلك ؟ والمعنى الثاني يقتضي أنكم صوروا أنفسكم وأنزلوها هذه المنزلة ، ثم انظروا أتفوتونا وتعجزونا أم قدرتنا ومشيئتنا محيطة بكم ولو كنتم كذلك ؟ وهذا من أبلغ البراهين القاطعة التي لا تعرض فيها شبهة ألبتة ، بل لا تجد العقول السليمة عن الإذعان والانقياد لها بدا ، فلما علم القوم صحة هذا البرهان وأنه ضروري انتقلوا إلى المطالبة بمن يعيدهم فقالوا : من يعيدنا ؟ وهذا سواء كان سؤالا منهم عن تعيين المعيد أو إنكارا منهم له فهو من أقبح التعنت وأبينه ، ولهذا كان جوابه : { قل الذي فطركم أول مرة } ولما علم القوم أن هذا جواب قاطع انتقلوا إلى باب آخر من التعنت ; وهو السؤال عن وقت هذه الإعادة ، فأنغضوا إليه رءوسهم وقالوا : متى هو ؟ فقال تعالى : { قل عسى أن يكون قريبا } [ ص: 112 ] فليتأمل اللبيب لطف موقع هذا الدليل ، واستلزامه لمدلوله استلزاما لا محيد عنه ، وما تضمنه من السؤالات والجواب عنها أبلغ جواب وأصحه وأوضحه ، فلله ما يفوت المعرضين عن تدبر القرآن المتعوضين عنه بزبالة الأذهان ونخالة الأفكار .

ومنه قوله تعالى : { وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور } وقوله تعالى : { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير } جعل الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات ، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور ، ودل بالنظير على نظيره ، وجعل ذلك آية ودليلا على خمسة مطالب :

أحدها : وجود الصانع ، وأنه الحق المبين ، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله .

الثاني : أنه يحيي الموتى .

الثالث : عموم قدرته على كل شيء .

الرابع : إتيان الساعة وأنها لا ريب فيها .

الخامس : أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض .

وقد كرر سبحانه ذكر هذا الدليل في كتابه مرارا ; لصحة مقدماته ، ووضوح دلالته ، وقرب تناوله ، وبعده من كل معارضة وشبهة ، وجعله تبصرة وذكرى كما قال تعالى : { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب } فالمنيب إلى ربه يتذكر بذلك ، فإذا تذكر تبصر به ، فالتذكر قبل التبصر ، وإن قدم عليه في اللفظ كما قال تعالى : { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } ، والتذكر : تفعل من الذكر ، وهو حضور صورة من المذكور في القلب ، فإذا استحضره القلب وشاهده على وجهه أوجب له البصيرة ، فأبصر ما جعل دليلا عليه ، فكان في حقه تبصرة وذكرى ، والهدى مداره على هذين الأصلين : التذكر ، والتبصر وقد دعا سبحانه الإنسان إلى أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه ، ويستدل بذلك على معاده وصدق ما أخبرت به الرسل ; فقال في الأول : { فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب ، إنه على رجعه لقادر ، يوم تبلى السرائر } فالدافق على بابه ، ليس فاعلا بمعنى مفعول كما يظنه بعضهم ، بل هو بمنزلة ماء جار وواقف وساكن .

ولا خلاف أن المراد بالصلب صلب الرجل ، واختلف في [ ص: 113 ] الترائب فقيل : المراد بها ترائبه أيضا ، وهي عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة ، وقيل : المراد ترائب المرأة ، والأول أظهر ; لأنه سبحانه قال : { يخرج من بين الصلب والترائب } ولم يقل يخرج من الصلب والترائب فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجا من بين هذين المختلفين كما قال في اللبن : { يخرج من بين فرث ودم } وأيضا فإنه سبحانه أخبر أنه خلقه من نطفة في غير موضع ، والنطفة هي ماء الرجل ، كذلك قال أهل اللغة ، قال الجوهري : والنطفة الماء الصافي قل أو كثر ، والنطفة ماء الرجل ، والجمع نطف ; وأيضا فإن الذي يوصف بالدفق والنضح إنما هو ماء الرجل ، ولا يقال نضحت المرأة الماء ولا دفقته ، والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك أنهم رأوا أهل اللغة قالوا : الترائب موضع القلادة من الصدر ، قال الزجاج : أهل اللغة مجمعون على ذلك وأنشدوا لامرئ القيس :

مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل

وهذا لا يدل على اختصاص الترائب بالمرأة ، بل يطلق على الرجل والمرأة .

قال الجوهري : الترائب عظام الصدر ما بين الترقوة إلى الثندوة .

وقوله : { إنه على رجعه لقادر } الصحيح أن الضمير يرجع على الإنسان ، أي إن الله على رده إليه لقادر يوم القيامة ، وهو اليوم الذي يبلى فيه السرائر ، ومن قال : " إن الضمير يرجع على الماء أي أن الله على رجعه في الإحليل أو في الصدر أو حبسه عن الخروج لقادر " فقد أبعد ، وإن كان الله سبحانه قادرا على ذلك ، ولكن السياق يأباه ، وطريقة القرآن - وهي الاستدلال بالمبدإ والنشأة الأولى على المعاد والرجوع إليه - وأيضا فإنه قيده بالظرف ، وهو { يوم تبلى السرائر } والمقصود أنه سبحانه دعا الإنسان أن ينظر في مبدأ خلقه ورزقه ، فإن ذلك يدله دلالة ظاهرة على معاده ورجوعه إلى ربه .

وقال تعالى : { فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا } فجعل سبحانه نظره في إخراج طعامه من الأرض دليلا على إخراجه هو منها بعد موته ، استدلالا بالنظير على النظير [ ص: 114 ] ومن ذلك قوله سبحانه ردا على الذين قالوا : { أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا } { أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم } أي مثل هؤلاء المكذبين ، والمراد به النشأة الثانية ، وهي الخلق الجديد ، وهي المثل المذكور في غير موضع ، وهم هم بأعيانهم ، فلا تنافي في شيء من ذلك ، بل هو الحق الذي دل عليه العقل والسمع ، ومن لم يفهم ذلك حق فهمه تخبط عليه أمر المعاد ، وبقي منه في أمر مريج ; والمقصود أنه دلهم سبحانه بخلق السموات والأرض على الإعادة والبعث ، وأكد هذا القياس بضرب من الأولى ، وهو أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ، فالقادر على خلق ما هو أكبر وأعظم منكم أقدر على خلقكم .

وليس أول الخلق بأهون عليه من إعادته ، فليس مع المكذبين بالقيامة إلا مجرد تكذيب الله ورسله ، وتعجيز قدرته ، ونسبة عمله إلى القصور ، والقدح في حكمته ; ولهذا يخبر الله سبحانه عمن أنكر ذلك بأنه كافر بربه ، جاحد له ، لم يقر برب العالمين فاطر السموات والأرض كما قال تعالى : { وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم } وقال المؤمن للكافر الذي قال : { وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا } فقال له : { أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا } فمنكر المعاد كافر برب العالمين وإن زعم أنه مقر به .

ومنه قوله تعالى : { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة } يقول تعالى : انظروا كيف بدأت الخلق ; فاعتبروا الإعادة بالابتداء .

ومنه قوله تعالى : { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون } . وقوله تعالى : { فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير } .

وقوله : { ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج } وقال تعالى : { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا } والسجل : الورق المكتوب فيه ، والكتاب : نفس المكتوب ، واللام بمنزلة [ ص: 115 ] على : أي نطوي السماء كطي الدرج على ما فيه من السطور المكتوبة ، ثم استدل على النظير بالنظير فقال : { كما بدأنا أول خلق نعيده }

التالي السابق


الخدمات العلمية